الأحد 07 أكتوبر 2018 - 08:28 صباحاً

ذكريات حرب أكتوبر

 
فى ذلك اليوم القريب البعيد .. القريب من القلب البعيد بعدد سنوات العمر .. كان يومًا خريفيًا.. السماء مزينة بتلك السحب البيضاء القادمة من الشمال الغربى .. تحجب الشمس أغلب فترات النهار.. فتجعل الطقس مائلا للبرودة .. عدت فى ذلك اليوم من المدرسة التى تبعد عن منزلنا بنحو مائتى متر.. كنت فى الصف الثانى الإعدادى.. وكان العام الدراسى قد بدأ للتو.. ألقيت كتبى.. واستبدلت ملابسى.. وخرجت مسرعًا.. للقاء رفاق اللعب.. لنسلى صيامنا.. فقد كان الصوم مرهقًا لى .. فهو العام الثانى الذى أخوض فيه تجربة صيام رمضان .. رغم قصر النهار واعتدال الجو .. نجحت فى صيام التسعة أيام الأولى من رمضان وها هو اليوم العاشر يكاد يمضى .. التقيت برفاقى على الكوبرى الأوسط على الترعة التى تشق قريتنا إلى نصفين .. وهذه المنطقة تعتبر مركز القرية حيث تتجمع المقاهى و محلات البقالة والجزارة وبائعو السمك والخضروات وصانعو الكنافة والقطائف . 
لم نكن نمتلك تليفزيونًا بمنزلنا فى ذلك الوقت .. فقط عدد من الأهالى لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة هم من يمتلكون تلك الرفاهية.. بجانب المقاهى التى كانت تفرض علينا رسومًا ومشاريب لمشاهدة التليفزيون.. خاصة مشاهدة مباريات الدورى المصرى.. وكان التليفزيون قناتين .. الأولى والثانية.. وكان أبيض وأسود فقط .. لم أكن أعرف الوقت تحديدًا .. ولكنه بين الظهر والعصر.. لم نكد نلتقى أنا ورفاقى لنبدأ اللعب.. حتى أتت أصوات مهللة ومكبرة من رواد أقرب مقهى للكوبرى.. الله أكبر.. عبرنا القناة.. بدأت الحرب.. ووجدت الناس يتبادلون الأحضان والقبل والتهانى . 
سارعنا إلى المقهى الذى ازدحم عن آخره لنشاهد البيانات العسكرية والأغانى الوطنية والحماسية التى مازلت إذا سمعتها تذكرنى بتلك اللحظات الخالدة .. وأعيشها رغم مضى خمس وأربعون عامًا عليها.. لم يمنعنا صاحب المقهى ولم يطلب منا رسومًا ولا مشاريب .. وتركنا نشارك رواد المقهى تلك اللحظات السعيدة. 
كانت فرحة الكبار يشوبها الحذر .. لا يريدون الإفراط فى الفرح والاحتفال .. خوفًا من أن يحدث معهم مثلما حدث فى الأيام الأولى من نكسة 1967 وبياناتها الوهمية .. التى أفاقوا منها على أكبر مصيبة أصابت بلادنا فى العصر الحديث . 
وظللنا على المقهى حتى حان أذان المغرب وموعد الإفطار .. فغادر كل منا إلى داره.. على اتفاق بالعودة بعد الإفطار لنتابع تلك الأحداث السعيدة .. وزاد من سعادتنا تعطيل الدراسة ومنحنا إجازة . 
ومضت تلك الأيام السعيدة من عمرنا وعلى وطننا .. وبدأت بعدها رحلة استعادة أرضنا السليبة .. سواء حربًا أم سلمًا . 
لقد كان أكتوبر 1973 نصرًا كبيرًا رغم محدودية الأرض التى استعيدت حربًا.. لأننا لم نكن نحارب إسرائيل وحدها وإنما تلك القوى التى لم تكن لتسمح بزوال ذلك الكيان الذى زرعوه فى قلب وطننا العربى .. فشطره نصفين غير متصلين .. لم يلتقيا بعدها أبدًا .
لقد أعادت حرب أكتوبر الثقة فى قواتنا المسلحة التى استطاعت رغم قلة التسليح وتأخره نسبيًا مقابل تسليح العدو.. أن تعبر القناة رغم الموانع المائية والطبيعية والعسكرية.. وتحطم أنف العدو الذى أشاع أنه لا يهزم .. وكتب الجنود والضباط المصريون بدمائهم المجد والتاريخ .. وأثبتوا أن الجندى المصرى قادر على المواجهة والانتصار على العدو حتى فى أقسى الظروف . 
لقد خدعت مصر كل الأعداء المباشرين وغير المباشرين .. فقد فشلت إسرائيل ومن يؤازرها من القوى المعادية لنا .. من معرفة موعد قيام الحرب .. رغم نشاط مخابراتها وتقدم أجهزتها .. كما خدعت القيادة السياسية والقادة العسكريون العدو .. بإظهار عدم قدرتنا على خوض الحرب. 
لم يترك القادة المصريون الأمر للصدفة سواء فى موعد بدء الحرب .. أو كيفية التغلب على المانع المائى والساتر الرملى وخط بارليف .. كان كل شئ مدروسًا ومخططًا تخطيطًا سليمًا على أعلى مستوى .. وتم تنفيذه بدقة بدقة واقتدار. 
كل عام وقيادتنا السياسية وقواتنا المسلحة وشعبنا العظيم بخير وفى عزة وانتصار .. بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لنصر اكتوبر.
 





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader