الأحد 07 أكتوبر 2018 - 08:26 صباحاً

أحلام الفتى الطائر "ترامب"

 
يجسد الرئيس الأمريكى ترامب شخصية الفتوة التى دار حولها عددا من أفضل روايات الكاتب الراحل الأديب العالمى نجيب محفوظ, يلعب ترامب دور الفتوة باقتدار نشاهده ونتابع أقواله وتصريحاته وحركاته وسكناته وآخرها كلمته الاستعراضية خلال أعمال الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاءاته مع مؤيديه وعدد من أنصاره وكأننا نشاهد فيلم لنجيب محفوظ والمخرج نيازى مصطفى, بل إن ترامب أضاف لما أبدعه محفوظ فقد أثبت أن الفتونة لم تعد محصورة فى الحارة المصرية قاصرة عليها فحسب بل هى موجودة فى عالم السياسة وفى المحافل الدولية, منطق الحماية الذى تستند إليه شخصية الفتوة فى الحارة المصرية لتبرير ما تقوم به من أفعال ومطالبتها الحرافيش أو الضعفاء من سكان الحارة دفع الإتاوة هو المنطق نفسه الذى يستند إليه الفتوة الجديد فى المحافل الدولية وفى العلاقات بين الدول والتى يفترض أنه يحكمها القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية .
 
ترامب لايريد أن يرى دولة غنية فى العالم سوى أمريكا يحلم بالسيطرة على العالم وأن يكون هو الأقوى والأغنى و بلده هى الأقوى والأغنى, دخل فى حرب تجارية مع الصين ووجه اتهامات عنيفة لمنظمة أوبك بسبب ارتفاع أسعار النفط, هاله أن يميل الميزان التجاري لبلده مع كوريا الجنوبية لصالح الأخيرة وأن تغرق الصين الأسواق الأمريكية بمنتجاتها المختلفة, لجأ لأسلوب ومنطق الفتوة لتعويض العجز الذى يعانيه الاقتصاد الأمريكي والإيفاء بما وعد به أثناء حملته الانتخابية, فطالب عددا من الدول من كوريا الجنوبية إلى اليابان إلى دول خليجية أن يدفعوا له مقابل حمايتهم فى استمرار لنفس المسلك الذى بدأه أثناء حملته الانتخابية, وأعاد الشيئ نفسه بكثير من الصلف والغرور والكبر عندما طالب المملكة السعودية وللمرة الثالثة فى أقل من أسبوعين بأن تدفع له مقابل حمايته لها زاعما أنه لولا الدعم الأمريكي والحماية الأمريكية للمملكة لما بقى الملك سلمان فى منصبه أكثر من أسبوعين.
 
تجاوزات ترامب أصبح من الصعب المرور عليها مرور الكرام, الرئيس الأمريكي بات جاهلا بأبسط قواعد السياسة الدولية وبحقيقة بسيطة مؤداها أن المملكة وغيرها يدفعون ثمن السلاح الذى يشترونه, وأن مصادر السلاح لم تعد قاصرة على أمريكا والشركات الأمريكية فهناك دول تنتج سلاح وبفاعلية أشد وأخطر مثل روسيا وفرنسا, كما أن ترامب أكد أنه غير ملم بتاريخ بلده وما فعلته وما سببته سياساتها الحمقاء فى المنطقة من كوارث, كما يتجاهل حقيقة أن بلاده أصبحت أضعف من أن تؤثر على أوروبا الحليف التقليدي لها بدليل خروج الأخيرة عن إرادة أمريكا فى قضية الاتفاق النووي الإيراني .
 
أى حماية يتحدث عنها ترامب والولايات المتحدة الأمريكية هى أول من تتخلى عن حلفائها والتاريخ شاهد على ذلك فأمريكا أول من تخلت عن حليفها السابق شاه إيران بعد قيام ثورة الخومينى وهى أول من تخلت عن الرئيس مبارك بعد قيام ثورة 25 يناير رغم كل ما كان يربط مبارك بالإدارة الأمريكية برئاسة أوباما والإدارات الأمريكية السابقة, سياسات أمريكا مع دول المنطقة سلسلة من الخيانة والتراجع والسياسات الحمقاء التى جلبت على دول المنطقة الخراب والدمار وليس أدل على ذلك أكثر مما فعلته مع العراق الذى أصبح تحت الهيمنة الإيرانية ومازال يعانى من أثار الغزو الأمريكي وما نتج عنه من تحويله لساحة وقاعدة عمليات للجماعات الإرهابية ثم سيناريو الفوضى الخلاقة الذى مازالت دولة مثل ليبيا تدفع ثمنه, وأمريكا هى من وقفت عاجزة عن فعل شيئ فى سوريا بعد تدخل روسيا وبقوة لصالح حليفها الرئيس بشار الأسد وحمته ودافعت بالفعل عنه وحالت دون إسقاطه وفرضت روسيا إرادتها فى الساحة السورية رغم أنف أمريكا بدليل نشرها لمنظومة إس 400 الصاروخية الدفاعية المتطورة.
 
تجاوزات ترامب أصبح من الصعب السكوت عليها بل هى تفرض ضرورة إحداث تغيير فى استراتيجيات دول المنطقة لأن السياسة الأمريكية باتت غير مأمونة والأطماع الأمريكية فى ثروات دول المنطقة أصبحت واضحة للعيان خصوصا بعدما يتحدث ولى العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن أصول الصندوق السيادي للمملكة تتعدى ال 600 مليار دولار وأن بلاده بصدد الدخول فى صفقات ضخمة غير نفطية مع عدد من الشركات الكبرى فى العالم, وفى هذا الإطار أرى أنه من حسن الطالع تجاوب طهران مع المملكة السعودية بعد تصريحات ترامب الأخيرة ودعوة وزير الخارجية الإيرانى جواد ظريف للمملكة تشكيل جبهة مناوئة لأمريكا, وإن كنت أرى أنه لابد بداية أن تبدى إيران حسن نوايا تجاه جيرانها وتمتنع عن سياسة التدخل فى شئون الآخرين والأهم أن توقف العبث الذى يحدث فى اليمن وتتخلى عن دعم جماعة الحوثى وتعيد الأمور فى اليمن إلى نصابها قبل سيطرة الحوثيين على السلطة فى البلاد .
 
ترامب المفتون بنفسه وبعضلاته وبقدرته على التأثير والتغيير مطارد باتهامات بالفساد إضافة إلى اتهامات أخلاقية إلا أنه من الوضوح بحيث لايخفى أطماعه ولايخفى موقفه من قضايا الأمة العربية وفى المقدمة القضية الفلسطينية فهو لم يتورع عن وقف مساعدات بلاده لمنظمة الأونروا, وهو ما يتطلب ولاسيما فى ظل المؤشرات التى تؤكد استمراره لولاية ثانية ضرورة أن تكون هناك إرادة لدى الدول العربية الفاعلة لوضع استراتيجيات جديدة تقوم على تكثيف وتحقيق أعلى درجة من التعاون والتنسيق فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدولية بما يحقق مصالحها فى المقام الأول ويحافظ على ثرواتها لأن ثروات المنطقة أولى بها شعوبها .





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader