الاثنين 30 يوليو 2018 - 06:07 مساءً

"الرأى" تفتح خزائن أسرار الكاتب الراحل حلمى سلام

"الرأى" تفتح خزائن أسرار الكاتب الراحل حلمى سلام

* حلمى سلام صاحب الذكرى العطرة فى سجلات الصحافة الوطنية المجاهدة أول من كتب عن ثوار يوليو وصاحب أول صورة تنشر لجمال عبد الناصر أثناء حصار الفالوجا

* سر الوشاية الغامضة التى أطاحت بحلمى سلام من الجمهورية عام 1965

* لماذا لم يعد إلى بلاط صاحبة الجلالة إلا فى عصر "مبارك"؟

* لماذا دافع "حلمى سلام" عن "جمال عبد الناصر" وعن "ثورة يوليو" رغم كونه  أحد جرحاها؟

 

كتب  ـ أحمد عادل:

فى لقاء "الرأى" مع د.آمال حلمى سلام الأستاذ فى كلية العلوم جامعة القاهرة وصاحبة كتاب "عبد الناصر وثورة يوليو فى ميزان التاريخ" الصادر عن "مكتبة الأكاديمية" قى يناير الماضى، دار الحديث أول ما دار عن علاقة حلمى سلام بثورة يوليو وثوارها: أين ومتى بدأت ؟ كيف تطورت تلك العلاقة إلى صداقات حميمة وما الذى تعرضت له من مواقف وأزمات؟ وتجيب الدكتورة قائلة:

"لقد شاءت الأقدار لوالدى – كما كتب يقول فى كتابه "أنا وثوار يوليو" الصادر عام 86 - أن يرتبط بثورة يوليو وأن ينتمى إليها وهى لم تزل بعد جنينا فى رحم الغيب. تعرف إلى رجالها الواحد تلو الآخر فى ظروف متباينة، ومن قبل أشخاص متباينين، وقامت بينه وبين سبع من أعضاء "اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار"، وعلى رأسهم "جمال عبد الناصر" ثم "محمد نجيب"، صداقات حميمة امتدت أواصرها إلى سنوات قبل قيام الثورة واستمرت عبر سنوات أخرى بعد قيامها. "وهو الصحفي المصري الوحيد – كما كتب موسى صبرى يقول - الذى يستطيع أن يدعى، وبكل الصدق والحق، أنه كان على أوثق الصلات بقيادات ثورة يوليو، وعلى رأسها جمال عبد الناصر، قبل أن تقوم الثورة بزمن، كان موضع أسرارهم وقلب ثقتهم الأولى وكانوا يمدونه بالمعلومات الخطيرة التى لم يتردد فى نشرها قبل الثورة. ولو قدر لثورة يوليو أن تفشل لكان حلمى سلام هو المواطن المدنى الوحيد الذى تصل رقبته إلى حبل المشنقة أو فى القليل إلى السجن المؤبد مع قيادات الثورة....".    

كان لقاؤه الأول بالصاغ "جمال عبد الناصر" فى عام 1949. وكان هو الذى قدم إليه - فى نفس العام، بل وفى نفس التوقيت تقريبا - "الصاغين "عبد الحكيم عامر" و"كمال الدين حسين". ثم فى عام 1950 تعرف إلى قائد الجناح "عبد اللطيف البغدادى" وقائد الأسراب "حسن ابراهيم" اللذين سعيا للقائه أملا فى أن يقف بقلمه – إن هو وافق – إلى جانب سلاح الطيران فى معركته ضد الملك والفاسدين من قيادات الجيش. أما صداقته للصاغ "صلاح سالم" فقد بدأت فى أعقاب حرب فلسطين عام 48. وقبل هؤلاء جميعا، وفى عام 1947، كان قد تعرف على "أنور السادات" وذلك من خلال قضبان قفص الاتهام فى محكمة الجنايات، حيث كان السادات يجلس داخل القفص، متهما بالتحريض على قتل الوزير السابق أمين عثمان "رجل الانجليز رقم 1" فى مصر، وكان هو يجلس فى مقاعد الصحفيين يتابع تلك القضية. أما "محمد نجيب" فيعود تاريخ صداقته الحميمة به إلى عام 1951. وقد كان والدى حين التقى بأولئك "الرجال" كاتبا معروفا وقلما بارزا بالفعل فى سماء الصحافة الوطنية الحرة ". كانت حملاته ضد الملك والإحتلال والفساد فى الجيش، خاصة ما تكشف منه فى أعقاب حرب فلسطين، من أعنف وأشجع الحملات التى عرفتها الصحافة المصرية. "وقد كان لمقالاته على صفحات "المصور" – كما كتب إليه "محمد نجيب" يقول - أعظم الأثر فى نفوس رجال الجيش الذين عانوا الفساد دهرا طويلا. وحين انطلقت أول صرخة من صدورهم احتضنها "المصور" ورددها قلم "حلمى سلام" قوية جريئة تنقل إلى الشعب صوت جيشه الذى كان يعانى الفساد ويضيق به ويعد العدة للقضاء عليه". فكان بذلك "فى مقدمة الكتاب الأحرار الذين – كما كتب رجاء النقاش يقول – هزوا عرش "فاروق" وهيأوا العقول والنفوس لانهياره...".

قد يتساءل البعض: ما الذى جمع حلمى سلام - وهو المواطن المدنى - بكل أولئك العسكرين من رجال يوليو؟! وهل كان له قبل اشتغاله بالصحافة أو ربما أثناء اشتغاله بها، ثمة علاقة بالحياة العسكرية؟!

وردا على هذا التساؤل يقول والدى فى الفصل السابع من كتابه "أنا وثوار يوليو":

"... كل القنوات كانت تفضى بى إلى "الضباط الأحرار" وتفضى بهم إلي حتى لقد تسرب الظن إلى الكثيرين فى وقت ما، أننى "ضابط" أو أننى على الأقل كنت ضابطا ثم تركت العسكرية. ولم يكن فى هذا الظن الذى تسرب إلى كثيرين، شىء كثير ولا قليل من الصحة. كل ما هنالك أننى كنت يوما ما "موظفا مدنيا" بإدارة الشئون العامة للقوات المسلحة.

ثم نقلت إلى إدارة أخرى من إدارات وزارة الحربية لم ألبث بها إلا قليل حتى استقلت منها لأتفرغ - تمامًا - للعمل بالصحافة فى "دار الهلال"وفى المصور على وجه التحديد، كبرى المجلات السياسية المصورة آنذاك، وكان ذلك فى عام 1944.

الشىء الغريب حقيقة، أننى حينما كنت موظفا بوزارة الحربية -وهى بؤرة الضباط- لم يكن لى صديق واحد من بينهم. الوحيد الذى خرجت به صديقا حميما من عملى فى تلك الوزارة - وربما لأنه كان أديبا وفنانا إلى جانب عسكرية متفوقة - كان المرحوم الشهيد البكباشى "أحمد فهيم بيومى" الذى كان مدرسا بكلية أركان الحرب وقت أن قامت أولى الحروب بيننا وبين إسرائيل فى سنة 1948.

الشىء الغريب أيضا.. أن هذا الصديق الوحيد الذى خرجت به من عملى فى وزارة الحربية كان مدرسا لدفعة كلية أركان الحرب التى تخرج فيها ثلاثة من قادة الثورة هم: جمال عبد الناصر.. وعبد الحكيم عامر.. وصلاح سالم الذى جاء ترتيبه "الأول" على هذه الدفعة. ومن المؤكد أنه لو كان العمر قد امتد بالشهيد فهيم بيومى،  لكان قد عرفنى عليهم وعرفهم علي.. فطالما حدثنى عنهم بصورة تشى بأن ثمة رباط متين يربطه بهم. لكن الأقدار شاءت أن تتدبر ما فوته "العمر" على الشهيد "أحمد فهيم بيومى". فوضعت فى طريقى عسكريا آخر.. كانت علاقتى به وصداقتى له، هي المقدمة.. والبداية الحقيقية لعلاقتى بـ"ثورة يوليو" هذا العسكرى" كان هو البطل والفدائى: "معروف الحضرى".

"...... لم يكن "معروف الحضرى" مجرد ضابط متألق في جيش مصر كذلك.. لم يكن "معروف الحضرى" مجرد عضو بارز في تنظيم الضباط الأحرار وإنما كان شيئاً أكبر من ذلك بكثير. إنه واحد من الأوسمة العسكرية القليلة.. والمجيدة التي تزين صدر مصر، وهو واحد من أبطالها الذين، إذا أرادت أن تشير إلى عشرة منهم لتباهى بهم غيرها، لكان "الحضرى" واحداً من هؤلاء العشرة.. بل لعله أن يكون أولهم.

ذات يوم من أيام شهر يوليو سنة 1948.. همس في أذني هامس بأن أول قطار يحمل جرحى الميدان من ضباط وجنود، سوف يصل إلى محطة الحلمية في الساعة الحادية عشرة من مساء ذلك اليوم، حيث ينقلون منه إلى مستشفى الحلمية العسكري. وفي ذلك الموعد كنت، ومعي زميلي مصور "دار الهلال"،  في انتظار هؤلاء الأبطال في قلب المستشفى. التقطنا لهم أول صور نشرت لهم في صحافة العالم العربي، وأجريت مع نخبة منهم أول حوار صحفي حول الموقعة وكذلك الظروف التي أصيب فيها كل منهم. وبينما أنا في الحديث مع واحد منهم - الرائد طيار "فوزى دسوقى" - إذا به يقول لي "اسمع.. إذا لم تنجح في أن تجعل "معروف الحضرى " - وأشار إليه حيث كان يرقد - يروى قصته.. وقصة المعركة التي أصيب فيها، فلن تكون قد فعلت شيئاً".

أشعلت كلمات "فوزى دسوقى" فضولي الصحفي فتوجهت من فورى إلى "معروف الحضرى". وبعد جدل طويل من جانبه وصبر أطول من جانبي، نجحت في أن أجعله  يتكلم  ويحكى لي قصته التي كانت - وبحق - واحدة من أروع  قصص البطولة.. والجسارة.. والفداء.

ونشرت قصة "معروف الحضرى" في مجلة "المصور" مستقلة عن قصص زملائه الذين عادوا معه على نفس القطار من نفس المعركة، إذ كانت قصته متميزة بلونها.. وبطعمها.. وأيضاً بجنونها.

ثم.. ثم صرنا صديقين ورحت أتردد على المستشفى العسكري بين يوم وآخر لزيارته - كصديق.. وليس كصحفي.

وفي الجولة الثانية من تلك الحرب، وقعت القوة المصرية التي كانت تقاتل في "الفالوجا" - والتي كان "جمال عبد الناصر" واحداً من ألمع ضباطها - وقعت تحت الحصار، وأمتنع عنها الماء، والغذاء، والدواء. وصار الهم الأول والأكبر للقائد العام للقوات المصرية - اللواء "أحمد فؤاد صادق" - أن يتيح لهذه القوة المحاصرة أكبر فرصة للمقاومة والصمود فلا تسلم ولا تستسلم ولا تكون - بتسليمها أو باستسلامها هذا - سبباً في إنهيار معنويات بقية المقاتلين في كل موقع.. وعلى كل خط من خطوط القتال.

استقر رأي القائد العام على تشكيل "قافلة" من الفدائيين يرتدى أفرادها ملابس العربان ويقودها فدائي قادر على أن لا ينظر خلفه.. ولا يحسب حساباً لعمره.. ويمضى إلى قلب النار، وكأنه ماض إلى نزهة. ولم يجهد القائد العام نفسه كثيراً في البحث عن هذا "الفدائي" إذ كان يعرف "معروف الحضرى".. وكانت له معه من قبل تجارب صرفته تماماً عن التفكير في أحد غيره. تهيأ "معروف" لملاقاة الموت. خلع زيه العسكري وارتدى زي العربان وانطلق إلى "الفالوجا" على رأس "القافلة" المحملة بالماء.. وبالغذاء.. وبالدواء، وراح يمارس مع "الخطر" لعبته المفضلة.

وصلنى "معروف" بأبطال الفالوجا. كان يبعث لى أسبوعيا، برسالة تحمل أخبارهم ولعل أول صورة نشرت فى العالم كله لجمال عبد الناصر - فى وقت لم يكن أحد فى العالم كله بل وفى مصر نفسها قد سمع بـه- هى تلك التى التقطها له "معروف" أثناء حصار "الفالوجا" وبعث بها إلى، فنشرتها فى مجلة "المصور" مع بقية أخبار "الفالوجا" التى كان الشعب فى مصر يترقبها باللهفة كلها.. وبالقلق كله.....".

على أن معروف الحضرى لم يكتف فى الحقيقة بصورة "عبد الناصر" التى بعث بها من الميدان إلى والدى وإنما جاء به هو شخصيا إليه وكان ذلك كما سبق وذكرت، فى شهر يونيو 1949. أما كيف حدث ذلك وكيف تطورت علاقة والدى بكل أولئك الضباط وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، فصارت  صداقات حميمة؟! فلذلك كله قصة رواها هو فى كتابه "أنا.. وثوار يوليو" وقد ضمنتها – "كتابى" الصادر فى يناير الماضى.

 معروف أن علاقة حلمى سلام بالثورة والثوار قد تعرضت لأكثر من أزمة وأكثر من إختبار بدءا من تلك الأجازة المفتوحة من العمل التى استمرت ثمانية أشهر والتى جاءت فى أعقاب خلافه مع صلاح سالم عام 1953 .. مرورا بموقفه من "أزمة مارس 54" التى حدثت بين محمد نجيب من ناحية وبين مجلس قيادة الثورة من ناحية أخرى.. ووصولا إلى أزمة مايو1965 حين أطيح به من رئاسة مجلس إدارة دار التحرير ورئاسة تحرير جريدة "الجمهورية" بقرار شخصي من "عبد الناصر". وقد استمر إبعاده عن بلاط صاحبة الجلالة  لمدة عشرين سنة كاملة ولم يعد إليه إلا فى عصر "مبارك" وبقرار شخصي منه. فما هى الظروف التى أحاطت بتلك الإطاحة وما هو سر الوشاية التى أدت إليها؟    

حدث ذلك بعد نشر والدى لبعض ما جاء فى حديث الرئيس عبد الناصر أثناء الجلسة الخاصة التى عقدها بمجلس الأمة فى مايو 1965 وكان قد دعا إليها رؤساء مجلس إدارة المؤسسات الصحفية فقط ووجه بأن ما ينشر من تصريحاته متروك لتقديرهم الشخصي. أراد عبد الناصر فى ذلك اليوم أن يطلع أعضاء مجلس الأمة على وضع البلاد وحقيقة ما كانت تعانيه وتمر به فى تلك الآونة. تحدث بصراحة عن الأزمة الإقتصادية الطاحنة التى تواجهها مصر، عن شكل العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وقرارالأخيرة بمنع تصدير القمح إلينا، عن الموقف الصعب للقوات المصرية التى كانت تحارب فى اليمن وعن غير ذلك من الموضوعات التى كانت تشغل بال المصريين جميعا آنذاك. طالت الجلسة لعدة ساعات وقبل أن تنتهى، غادر والدى إلى "دار التحرير" للأشراف على  تجهيز وصدور العدد الأسبوعي من جريدة الجمهورية والذى ضمنه بعض ما تحدث به الرئيس فى حدود تقديره الشخصى لما يمكن نشره حسب ما قال عبد الناصر.   ونتيجة لما شعر به عبد الناصر من إرهاق ورغبة منه فى الإجابة على أسئلة السادة النواب طلب استكمال الحديث فى جلسة تنعقد فى اليوم التالى. وما حدث هو أن الجهات المعنية لم تبلغ حلمى سلام بانعقاد تلك الجلسة ومن ثم لم يحضرها أما الأهم فهو عدم إبلاغها إياه بتعليمات الرئيس الجديدة فى تلك الجلسة بمنع  النشر تماما بعد أن كان قد سمح به ولكن فى حدود فى الجلسة السابقة. صدرت الجمهورية بما حملته من عناوين وبادر فاعل الخير إلى إخبار السيد الرئيس بأن حلمى سلام تحدى أوامره وتعليماته وأن عناوين الجمهورية تتناقلها وكالات الأنباء والسفارات الأجنبية التى راحت تتحدث عن ضعف مصر وعن أزمتها الاقتصادية وعن سقوطها الوشيك فى مستنقع اليمن. هنا.. قرر عبد الناصر أن يعتبر حلمى سلام نفسه فى إجازة مفتوحة من العمل لحين صدور أوامر أخرى وهو ما أبلغه به تليفونيا الدكتور "عبد القادر حاتم" وحين استفسر والدى عن أسباب هذا القرار رد عليه قائلا: "انت عارف الريس مبيقولش أسباب".

واستمر هذا الوضع إلى أن رحل عبد الناصر عن دنيانا ثم طوال فترة حكم السادات الذى لم يبادر بعودة والدى إلى الساحة الصحفية رغم أنه فعلها مع صحفيين آخرين أيضا رغم صدور حكم  قضائي بعودة حلمى سلام إلى منصبه وتعويضه ماديا عما أصابه وعاناه طوال فترة عزله. ولم يعد والدى إلى بلاط صاحبة الجلالة إلا عام 86 حين أصدر الرئيس الأسبق مبارك قرارا بانضمامه لكتاب مجلة "آخر ساعة" التى راح ينشر بها مقاله الأسبوعي منذ ذلك التاريخ وحتى ما قبل وفاته بأسابيع قليلة عام 97. أصدر مبارك أيضا قرارا بتعينه عضوا بالمجلس الأعلى للصحافة كما منحه فى عام 92 وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى وكان الرئيس عبد الناصر قد سبق ومنحه - ومعه إحسان عبد القدوس وأمينة السعيد وأحمد بهاء الدين - وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى. أما "هيكل" فكان قد حصل على نفس الوسام ولكن منفردا فى السنة السابقة على ذلك التكريم.

* ولماذا لم تجر أى مصالحة أو لقاء أو محاولة لتقريب وجهات النظر بين حلمى سلام وجمال عبد الناصر؟

أولا لأن حلمى سلام كان رجلا عزيز النفس شديد الإعتداد بكرامته وكبريائه ومن ثم لم يكن على إستعداد لأن يطرق الأبواب هنا أو هناك لتصحيح الأوضاع، هذا فضلا عن يقينه أن إخفاء خبر الجلسة الثانية وما جاء بها من منع للنشر كان عملا متعمدا وأن بعضهم أراد له طرق الأبواب واللجوء إليه وهو الأمر الذى رفضه تماما. أنكر والدى ذاته وقدر أن عبد الناصر طوال تلك السنوات، كان لديه من هموم الوطن ما شغله عن الإلتفات إلى قضيته التى هى أولا وأخيرا قضية شخصية: أزمة المعونة الأمريكية.. أزمة حرب اليمن.. المؤامرات التى كانت تحاك ضده وضد مصر.. نكسة 1967 ثم انشغاله بإعادة بناء الجيش المصري وبناء حائط الصواريخ ثم حرب الاستنزاف والتى بدأت بعد أقل من شهر من الهزيمة ثم ما حدث للفلسطينيين فى الأردن ثم.. ثم توفى جمال عبد الناصر وكأن القدر كان يختبر حجم إنكار حلمى سلام لذاته فى سبيل الوطن  أيضا قدر جلده وصموده فى مواجهة الجور والظلم البين الذى وقع عليه وعلى أسرته طوال تلك السنوات. لقد عانينا الكثير معنويا وماديا. وكان الإحساس بالظلم هو أقسى ما إختبرناه. أما الحجر على قلم والدى وتنحيته عن بلاط صاحبة الجلالة وهو لم يزل بعد فى الثالثة والأربعين من عمره بعد كل ما كان له من نشاط ومن تاريخ وطني فهو أمر تعجز كل مفردات اللغة عن تصوير مدى قسوته. أما ماديا فقد انخفض دخل الأسرة من 550 جنيها - وهو ما كان يتقاضاه والدى من مرتب قبل تنحيته – إلى 110 جنيها وهو المعاش الذى أمر به عبد الناصر  لوالدى وكان هذا المبلغ هو قيمة أعلى معاش فى الدولة آنذاك. أما الطامة الكبرى فجاءت فى يوليو 69 حين أراد العلي القدير أن يختبر إيمان حلمى سلام ومدى رضاه بقضائه وقدره فإبتلاه هو وزوجه الصابرة بما هو أعظم بكثيرمن نقص المال والرزق.. استرد وديعته الغالية شقيقتى "نادية" وهى فى عمر الزهور وكانت طالبة بالسنة الأولى بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

* وكيف مرت بكم الحياة فى وسط هذه الصدمات المادية والمعنوية ؟

من بعد فضل الله، بفضل أم وزوجة عظيمة بكل ما تحمله تلك الكلمة من معان. أم.. إستطاعت بإيمانها وبحكمتها.. بحسن تدبيرها وصبرها أن تحتوينا جميعا وأن تعبر بوالدى وبنا إلى بر الأمان. تخرجت فى كلية العلوم عام 69 بدرجة إمتياز مع مرتبة الشرف الأولى وبعد أربع سنوات تخرجت شقيقتى من نفس الكلية وبنفس التقدير والآن نحن أستاذتان بقسمين مختلفين بالكلية. أما شقيقى رحمه الله فكان مهندسا بمطابع الأهرام وكان والدى – ضغطا للمصروفات – قد نقله إلى مدرسة حكومية فى حين أبقى علينا فى مدارس الراهبات الفرنسة وكان تفوقنا هو أكثر ما حرصنا عليه وأجمل ما قدمناه لوالدى كي نعوضه عن كل ما عاناه من ألم وقسوة وظلم.

* بعد وفاة عبد الناصر، هل أرسل رسالة للسادات ليعيده الى عمله؟

موقف السادات من قضية والدى كان – كما سبق وذكرت لك – واضحا تماما . وربما يجد القارىء فيما بين سطور الفصل الخاص بالسادات فى كتاب "أنا وثوار يوليو" - وهو أحد الفصول الأربع التى ضمنتها كتابى الصادر فى يناير الماضى –  تفسيرا لموقفه هذا. ويكفى أن تعلم أن حلمى سلام هو من اتفق مع صاحبي دار الهلال من ناحية والسادات من ناحية أخرى على نشر مذكرات الأخير على صفحات المصور مقابل عشرة جنيهات لكل حلقة..  وهو أيضا من قدمه لهما بعد خروجه من السجن، كي يعمل "كريريتر" فى صحف الدار مقابل 50 جنيها كمرتب شهري ، وكان ذلك من باب مساعدة السادات فى التغلب على الضائقة المالية التى كان يمر بها بعد إنتهاء المحاكمة. "على أن أغرب ما فى هذه القصة - على بساطتها وربما أيضا على تفاهتها كما كتب والدى يقول – أن السادات رواها ثلاث مرات.. بثلاثة أشكال مختلفة!! وكان حريصا – فى كل مرة من هذه المرات الثلاث – على إسقاط أي دور لى فيها. لماذا ؟! لم أفهم وقتها.. ولا أنا فهمت حتى الآن. ففى "البحث عن الذات" كتب يقول.....".       

أما استفسارك عما إذا كان والدى قد بعث إليه بأية رسائل ، فالإجابة : نعم.. حدث هذا مرة واحدة فى أعقاب حرب 73 حيث أكد له أنه يشعر بإحتياج شديد لأن يقف بقلمه إلى جانب وطنه فى تلك الظروف التاريخية التى يمر بها. لكنه بالطبع لم يتلق أي رد.  

 ورغم هذا الظلم الفادح دافع حلمى سلام عن "عبد الناصر" وعن "ثورة يوليو"... وجاء كتابك الأخير ليؤكد هذا الدفاع ! فما هو المنهج الذى اتبعه الكاتب الكبير الراحل فى تقيم عبد الناصر الزعيم وثورة يوليو؟

فى مقاله: "جبرتى الوفد.. وأنا.. وخيرات الثورة" الوارد بكتابى على صفحة 196 لخص والدى موقفه من عبد الناصر ومن ثورة يوليو حين كتب قائلا:

".....أما عن الجراح التى أثخنتنى بها الثورة فى أواخر "عهد عبد الناصر" فهي أيضا لم أنسها قط. لكن الله شاء أن يسبغ علي نعمته ويجعلنى قادرا على أن أتسامى عليها.. وأن أرتفع فوقها. وإنى لأحمده على هذه "النعمى" حمدا بلا حدود ذلك لأننا لو تركنا أنفسنا ننطلق إلى تقويم الرجال.. وأعمال الرجال.. من خلال ما أصابنا منهم من خير أو من خلال ما وقع علينا منهم من شر.. لما بقيت – عندئذ – "كلمة حق واحدة" يمكن أن تقال ل"وجه الحق وحده".. ولتساوى – عندئذ – النور بالظلام.. ولأختلط الشر بالخير.. ولأصبحت الحياة – فى كلمة واحدة – جحيما لا يطاق.. ولصار الناس يعيشون فى "ضلال" ليس من قبله ولا من بعده "ضلال".       

إنطلاقا من مبدئه هذا، ظل والدى وإلى آخر لحظة فى عمره مدافعا عن ثورة يوليو وعن مفجرها  بإعتبار تلك الثورة – كما كتب يقول – واحدة من أعظم ثورات العصر، إذا نحن قسناها بحجم التغيرات الجذرية التى أحدثتها في كيان المجتمع المصري الذى قامت منه أو بحجم التغيرات الجذرية أيضا التي أحدثتها في كيان المجتمعين العربي والإفريقي اللذين امتدت إليهما آثارها، بدءاً من الجزائر في أقصى المغرب ومروراً باليمن في أقصى المشرق وإنتهاءًا بإفريقيا السوداء التي كانت كلها، باستثناء إثيوبيا، واقعة تحت نيران إحتلال أجنبي باطش لم يكن وارداً ضمن مخططاته أن يتخلى عنها لأصحابها، لولا أن قامت  ثورة يوليو واستطاعت أن تشعل النار من حوله وأن تزلزل الأرض تحت قدميه".

و"لقد كان لتلك الثورة أمجاد يستحيل طمسها أو إخفاء معالمها، كما أنها فى الغالبية العظمى من توجهاتها – كانت دواءا للكثير من أدوائنا. وليس معنى أن يكون لها أخطاء، أن ينتهز البعض كل مناسبة - وأحيانا بغير مناسبة - لكى يجردوها من معظم أمجادها أو من كل أمجادها. فإن ذلك لظلم عظيم لا يقع على ثورة يوليو بقدر ما يقع على "مصر" نفسها بإعتبارها الأم الحقيقية لهذه الثورة. إن الحكم على "عبد الناصر" وعلى "ثورته" – كى يكون عادلا ومنصفا – لابد وأن يقوم على أساس من تقيم موضوعى.. ودقيق.. وأمين.. لحقبة من عمر مصر، بل ومن عمر الأمة العربية كلها، استمرت ثمانى عشرة سنة، سقطت خلالها عهود.. وقامت عهود.. وإنزاح خلالها – وإلى الأبد – حكام وحل محلهم آخرون.. وكان "للرجل" فى هذا كله أثر أو آثار".

"لقد قدم "عبد الناصر" عمره فداءا لـ"مصر" ولـ"العروبة كلها"، فذاب مثلما تذوب الشمعة وهو لم يزل فى الثانية والخمسين من العمر. وهو بكل المقايس زعامة تاريخية هائلة جديرة بكل وفاء.. وبكل عرفان وكل تكريم. وحق لا مرية فيه ولا خلاف عليه، أن "جمال عبد الناصر" قد صنع لمصر.. وللإنسان في مصر.. بل وللإنسان في كل بلد عربي أشياءً غالية جدا.. وكثيرة جداً.. وعزيزة جداً. لقد دوى صوته في مصر.. وفي كل بلد عربي بنداءات العزة، والحرية، والكرامة.. فنفذت نداءاته هذه إلى كل قلب.. وإلى كل بيت.ليس مما ينتقص "مثقال ذره" من قدر عبد الناصر ولا من دوره ولا من أثره العظيم والخطير فى مسار الأمه العربية أن تكون له أخطاء فذلك شئ وارد بالضرورة ،عليه بإعتباره بشرا زعيما وليس ملاكا مجنحًا ولا نبيًا معصومًا".

* وكيف قضى حلمى سلام الفترة التى تلت إحالته للمعاش؟

قدم للمكتبة المصرية والعربية عددا من الكتب أذكر منها: "كلمات مصرية" "إنى صاعدة" "شىء اسمه الحب" "رحلة مع أفكارهم" " قصة ملك باع نفسه للشيطان" "أنا وثوار يوليو" "فاروق.. نهاية ملك" وهو المؤلف الذى كتب عنه "رجاء النقاش" قائلا: "لقد كان من نتاج إهمال دراسة التاريخ المعاصر وشخصياته المهمة أن ظهرت فى السنوات الأخيرة محاولة لخلق نوع  من التعاطف مع شخصية الملك فاروق وتصويره على أنه كان ضحية وفريسة لأشخاص آخرين غدروا به وتخلوا عنه. وهنا كان لابد أن يعتدل الميزان ويظهر كاتب قادر على تصحيح التاريخ وإلقاء ضوء كاشف على الأحداث وتفسيرها تفسيرا سليما. وهذا هو الدور الذى قام به الكاتب والصحفي الكبير حلمى سلام فى كتابه: "فاروق.. نهاية ملك" وقد جاء كتابه هذا وثيقة سياسية وفكرية بالغة الأهمية، وكان من جانب آخر أحد النماذج الرائعة للأدب السياسي الرفيع . ولو كنت من المسئولين عن التعليم لجعلت هذا الكتاب البديع فى يد كل شاب وفتاة فى مصر ليعرفوا أنهم ينتمون لبلد حي متحضر لا يقبل من أحد - مهما طال الصبر- أن يؤذيه أو يجرح كرامته ، وليعرف الجميع أن أقلام الأحرار هى التى جعلت عرش فاروق ينهار، وكان ذلك قبل أن تقوم ثورة يوليو وتطرد فاروق وراء البحار......".  






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader