السبت 28 يوليو 2018 - 12:12 مساءً

المُقدّر لا يقدّر!!

 
عام كامل من العناء المتواصل قضاه ستمائة ألف طالب بالثانوية العامة، أو لنقل ستمائة ألف أسرة مصرية، بما يعني أن ما يقترب من المليوني مواطن ـ إذا افترضنا أن الأسرة الواحدة مكونة من ثلاثة افراد فقط ـ ساروا أميالا يرفعون قدمًا عن وحل الدروس الخصوصية؛ ليضعوها في نار الكتب الخارجية والمذكرات، حيث تكون الأخري ساكنة عاجزة أمام غول الأسعار الذي يزداد في كل يوم توحشًا.
خاضوا معاناتهم دون مظلة من أي نوع توفرها لهم الدولة ممثلة في وزارة التربية والتعليم التي يذكرني وزيرها كلما خرج علينا بقرار بعبارة الممثل الكوميدي أحمد آدم في فيلم "معلش إحنا بنتبهدل"، حين قال لـ " صدام حسين": "قاعد مستخبي بتتكتك للأمريكان يا معلم"!!
يعلم الوزير.. أو لا يعلم.. أن وزارته قليلة الحيلة لم تمد خيط عنكبوت وحيد لطالب يعطيه أملا في أن يكون هناك من يري ولو بنصف عين، فالفجيعة واحدة وحالّة على رءوس مليوني مواطن على الأقل في كل عام، وكلنا يعلم إلا معالي الوزير.. ربما.. أن دور المدرسة في الثانوية العامة قاصر على تسليم الكتب التي يؤول مصيرها إلى الأدراج المغلقة، أو الأرفف المهملة.. أو غيرها التي لن نذكرها لنحفظ للكتاب بعض جلاله؛ ليفسح الطالب مجالا خصبًا.. أو عقيمًا.. للكتب الخارجية، وبإقرار أحد أوائل الثانوية العامة الذي أكد أنه لم يذهب إلى المدرسة إلا يومي تسلم الكتب وتحرير الاستمارات.
رسالة أليمة جاءتني الأسبوع الماضي من أمٍ لطالبةٍ في الثانوية العامة تروي خلالها معاناتها وابنتها المتفوقة بشهادة الجميع.. الموهوبة حقًا، نموذج الطالبة المثالية التي تفخر بها أسرتها ومدرسوها، وتمنحها الوزارة المعنية ـ في أي مكان بالعالم ـ عناية خاصة بحثًا عن أمل قادم في عالمة كبيرة أو أديبة عالمية تملك الفتاة كل مقوماتها.
تحدثت الأم الواعية المثقفة عن حزن كثيف حاصر ابنتها، تطور إلى بكاء متواصل من عيني الصغيرة اللتين كانتا يومًا مملوءتين أملًا في غد ساطع تستحقه.
تيقنت الطالبة الناضجة أن إجاباتها جديرة بمجموع أكبر.. بدأت وأسرتها في اتباع الخطوات التي أعلنتها الوزارة فيما يسمى "التظلمات"، فكانت الصدمات.. والظلمات، بداية من تسديد الرسوم كاملة، ثم توابير طويلة حاصرهم خلالها بائعو نماذج الإجابات على مرأى ومسمع من الجميع، وعلى أبواب المكان الذي حددته الوزارة لاستقبال التظلمات والاطلاع على أوراق الإجابات.
استسلمت الطالبة لقرار أراه عجيبًا بأن "المقدّر لا يقدّر"، وفي حالة رغبة الطالب في إعادة تصحيح أجابة مصححة بالفعل عليه باللجوء لساحات القضاء!!
استسلمت الفتاة لقرار لا تملك عليه اعتراضًا، ووصلت لأوراق إجاباتها التي اكتشفت بها ورقتين كاملتين لم يكلف المصحح نفسه قطرة مداد ليقيّم سطرًا واحدًا فيهما سلبًا او إيجابًا.. قطرة واحدة كفيلة بتغيير مستقبل فتاة هي وأمثالها الأمل في مستقبل أفضل ندعي جميعًا أننا ننشده.
وقطعًا لا نستطيع أن نلقي باللوم كاملًا على مصحح بائس، خاصة إذا علمنا أن أحد المصححين ـ مثلا ـ باغتته "غيبوبة سكر" داخل لجنة التصحيح، أفاق منها ليكمل الأوراق الملزم بالانتهاء من تصحيحها.
نتائج تظلمات ٧٨ ألفا ـ حسب تصريحات مدير الإدارة العامة للامتحانات ـ لم تعلن وقت كتابة السطور.. أكد الكثيرون منهم أن اختلاف أسلوب الإجابة فقط عن المدوّن كدستور في نماذج الإجابة، أفقد الكثيرين أحلامهم، في وقت يدّعي فيه المسئولون عن التعليم أنهم ينشدون تعليمًا يعتمد على الفهم والابتكار، وعلى بعد قرون عشرة من مقولة عبد القاهر الجرجاني في كتابه "أسرار البلاغة": "الأسلوب بصمة الرجل".
وسواء أكان الطلاب وأولياء أمورهم محقين في أمر اختلاف الأسلوب، فالعدد الغريب من التظلمات يؤكد أن بالأمر خللا نعلمه جميعًا.
إذا كان "المقدّر لا يقدّر" في نظر الوزارة ومسئوليها، فـ"المقدّر" علينا أن يكون لدينا وزارة لا "تقدّر" عناء الملايين، ولا "تقدِر" إلا علي اتخاذ القرارات، ثم التمهيد لإلغائها.
 
[email protected]





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader