السبت 07 يوليو 2018 - 11:42 صباحاً

على ظهر سلحفاة

 
كان العالم والفيلسوف الإنجليزى برتراند راسل يلقي محاضرةً عامة لجمهور من البسطاء، حول علم الفلك.. يشرح فيها كيف أن الأرض تدور حول الشمس، وبدورها كيف تدور الشمس حول مركزٍ لمجموعة هائلة من النجوم تسمى "مجرة"، حين قاطعته سيدة عجوز كانت تجلس فى آخر القاعة قائلة: "إن ما تقوله لنا هراء.. فالعالم فى الحقيقة صفحة مسطحة على ظهر سلحفاة هائلة".. ابتسم العالِم فى تعالٍ قبل أن يجيب: "وما الذى تقف عليه السلحفاة؟!".. فاجأته العجوز: "إنك لبارع جدًا أيها الشاب.. الأمر كله سلاحف بطول الطريق إلى الأسفل.
تلك الواقعة ذكرها ستيفن هوكينج فى كتابه "تاريخ موجز للزمان من الانفجار الكبير حتى الثقوب السوداء".. لكن هوكينج لم يذكر الواقعة على سبيل السخرية من العجوز، أو كمثال مؤلم على هوة سحيقة تفصل بين عقلين على هذا الكوكب، بل فاجأ العالِم الراحل قارئه سائلا: لماذا نعتقد ان ما نعرفه هو الافضل؟!.. ما الذى نعرفه عن الكون؟!.. من أين أتى الكون وإلى أين يذهب؟!..... وما طبيعة الزمان؟!
ويعقب هوكينج دون ان يجيب "إن الإنجازات الحديثة فى الفيزياء، والتى أصبحت ممكنة ـ فى جزء منها ـ بواسطة تقنيات جديدة خيالية تفترض إجابات عن بعض هذه الأسئلة التى ظلت قائمة زمنًا طويلًا، لعل هذه الإجابات ستبدو فى يوم ما واضحة وضوح دوران الأرض حول الشمس، أو ربما تبدو مضحكة مثل (برج السلاحف) ـ الذى تؤمن السيدة انه يحمل الارض ـ والزمن وحده هو الذى سيخبرنا بالقول الفصل".
أسئلة السيدة العجوز وتهكم راسل وتعقيب هوكينج تضعنا جميعها فى مواجهة حتمية أمام أنفسنا، مع صدمات وصدامات تزداد حدة فى كل يوم، وفى كل ميادين الحياة.. الدين السياسة.. الاقتصاد.. وغيرها، بين من يرى نفسه واضعًا يده على الجرح مداويًا، ومن يراه معمقا له او باترًا.. من يرى ذاته مالكًا للحقيقة المطلقة وحده، ومن يراه واهمًا جهولًا.. من يحلم بأرض وزمن على ظهر سلحفاة رتيبين ساكنين، ومن يرجوهما بين مخالب عُقاب نافذين نافدين.. بين من يؤكد أننا نقف اليوم على نصف قدم على حافة الحياة أو الموت، ومن يقسم أن تلك الهوّة ستفضى بنا إلى جنة الله على الأرض.
جاهل أو مغرض.. خائن او متواطئ.. معطاء أو مستغل.. راهب أو راغب.. واهب أو ناهب!!
 يبدو أننا نعيش زمانًا غير الذى يتحدث عنه هوكينج.. زمانًا لم ولن يخبرنا بالقول الفصل، فالفصول لدينا متوازية حيث لا لقاء، نجيد التقوّل لا القول، نمتهن الانفصال لا الفصل.. فصل وحيد يجمعنا لن يكون الأخير من مسرحية هزلية ممتدة.. كل يغنى على ليلاه، وليلانا سدت أذنيها، ثم غابت فى ثبات عميق.
 اذا كان هناك من قول فصل يا سادة جاد به الزمان ـ زمانهم ـ ومنحنا إجابة واضحة، أراها لن تخرج عن بضع كلمات بعدد أصابع يدين مجهدتين مجعّدتين مرتعدتين: اننا نعيش صفحة "مسطحة" خاوية من الزمان على ظهر سلحفاة.
 
[email protected]
 





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader