السبت 30 يونيو 2018 - 09:32 مساءً

إيمان الزيات تكتب: الزمن النفسي والبصمة الفنية في قصيدة (سفرٌ جديدٌ) للشاعر نور الدين نادر زكي

إيمان الزيات

لم تكن أبداً أزمتي مع الشعر الحديث أزمة "تجنيس" وتصنيف، وذلك لقناعتي بأن الطرح إذا استقام تهذب وانتظم ودخل طواعية في جنسه المناسب، أو صَنع لنفسه كياناً جديداً يلائمه، وإنما ظلت أزمتي مع "البصمة الفنية"، ففن الشعر بصفة خاصة يجب أن يمتاز كاتبه ببصمة لا تشبه غيرها، تتمظهر في تكنيكاته، وبلاغة لغته، وفرادة صوره. ومنظوره للأشياء. هذا ما أبحث عنه في كل قصيدة أقرؤها، ما يُحدث التغيير، والتنوع، ويمثل التميز، وهذا ما وجدت ملامحه في هذا النص اللافت.

من أولى (عتباتها/ العنوان) تعبر قصيدة (سفرٌ جديدٌ) للشاعر الشاب (نور الدين نادر زكي) عن تلك الذات "المأزومة" التي تصادف وقتاً مهيئاً لسفر جديد، عنوان ينم عن أنه كان هناك سفراً سابقاً أو ربما عدة أسفار قبل هذا السفر الذي استجد.



 من فضاء الزمان – التكئة الرئيسة للقصيدة - يدلف بنا الشاعر الذي يفكر في عقد هدنة مع العالم، في دلالة واضحة أن ما سبق ذلك كان حرباً تدور بشكل أو بآخر لمّح لها (نور الدين) من دون تصريح.

تتصاعد الحالة الشعورية للقصيدة فيما يشبه صراع (إقبال/ إحجام) فتشاهد الذات الشاعرة العالم بحذر وريبة لأنها لا تملك اليقين بعد حول هذا الجديد المتغير، فلا تفكر في دفع ذاتها كلية للتجريب وإنما تنتابها الرهبة فلا تتجرأ إلا على صنع نافذة تتيح لها المشاهدة، وتكفل الحماية في آن.

" الوقتُ الآن مهيأٌ لمهادنة عالمٍ جديدٍ

يمكننا أن نصنعَ نافذةً"..

وبداية يختزل الشاعر العالم الجديد في تفاصيل بسيطة، فيمثله (بالرصيف الذي ينتظر القدم، والعشب الذي ينتظر الندى) ويتماهى معه في اختبائه مع تلك الفصول التي تختبئ في الظلال.

"الرصيفُ اليوم ممتدٌ

ولكن أي قدم ستخطو؟

العشبُ مازال ينتظرُ وطأة الندى

والفصولُ لازالت تختبيءُ في الظلال"

ويعود ليصور العالم بطريقة أخرى بريَّة، بدائية تعكس شعور التجربة الأولى لهذا العالم الجديد الخصيب الذي لم تجترف منه أيادي البشر شيئاً حتى الآن، فيقول:

"والوعولُ لا تكُفَ عن حُلمِها بامتداد الأنهار

والمحارُ مازال في أعماق البحر ،فأي يدٍ تطففهُ؟"

يغير (نور الدين) أسلوبه من السرد إلى الحوار ليمنح نصه رشاقة زائدة، فيقول:

"قال الراعي للجبل:

لا مياه في الصحراء

فمتى يرتشفُ النخيلُ الغيمَ؟"

وهنا تتبدى لنا صورة أيقونية تكشف اللثام عن خصوصية تلك الموهبة حين يأنسن الشاعر النخيل، ويجعل من الغيم نبعاً للارتشاف، وتتمظهر زوايا نظرته المغايرة للأشياء فكأنما النخيل هو الذي أصبح يعلو الغيم وليس العكس، كما تتجلى في كلمة "يرتشف" مدى دقته في انتقاء المفردات، لتدل على فرط الظمأ.

وحين تصير الإجابة معضلة يأتي الرد بطريقة "سماوية" من القوة الأعظم..

"رد الصدى السماوي

وتناقلت الرياحُ مداده

على شال ورقةٍ"

ويأتي سطر القصيدة الذي يقول فيه: "لا شيء يحدثُ ، لا شيء"، بعد قوله: "تفجرت عيون موسى" موحياً بأن تلك العيون لم تتفجر هذه المرة للسقيا على عكس المعروف بل تفجرت بالحزن والبكاء، وهنا يمارس الشاعر نوعاً من أنواع "تناص النفي" مع القصة الأصلية.

تعود الذات الشاعرة بعد ذلك إلى التقزّم في لحظة "مناجاة" و انفصال لوصف نفسها بخيال رائع، وصورة بليغة؛ فتقول:

"مجردُ شاعر

يطهو قصيدتهُ بين ضلعيه

فيصبُ الغمامُ مدادًا روحانياً

يحيكُ سحابةً وينسجُ غابةً"

وينقل القصيدة نقلة جديدة بضمير (المخاطب/ ضمير المواجهة، والخطابة، والإعلان)، فيقول عن تميز مكانه وقوة عالمه في أولياته، ذلك العالم الذي حدده بكلمة "هنا":

"هنا يا رفاق طُبّقت الأبجديةُ كوناً

من بكارة الأمطارِ

هنا تنصّب الألف علماً

بدّد كينونةَ الكوليرا

وصارت الباءُ عُقاباً

انتشل الإمبراليةَ عن الحنطةِ

وربما يمنحنا ذكره (لعيون موسى) مساحة جيدة لتأويل مقصوده بـ "هنا" أن هذه الأرض عظيمة الوصف هي (مصر).

يعود (نور الدين) ليلحق بفضاء الزمن مرة أخرى؛ فيتحدث عن الوقت الجديد الذي تَعَتّق في الأباريق، وتظهر تباشير الأمل التي يراها مشروطة بشروط خاصة، فالفجر لن يبدأ إلا إذا أرخى الصفصاف غصونه ليعانق (النرجس) تلك الزهرة الممتلئة بالحزن، عناقاً من شأنه بالتبعية أن يصفى الحزن الساكن فيها، ولن يبدأ الصباح إلا:

"عندما يُطْلِقُ صَريرُ الريحِ صفارةً

لسباق الحمامِ"

ويثبت لنا بذلك أنه يتكئ على الزمن (النفسي)، وليس الزمن (الطبيعي)، وهو ذلك الزمن الخاص المتصل بوعي الإنسان، ووجدانه وخبرته الذاتية، ففي لحظة واحدة آنية امتلك الشاعر عدة أزمنة متفرقة وتحركت الأنا فيه بحرية وفي عدة اتجاهات مختلفة، وكان الزمن يسيل وتدور عجلته وفق الإيقاع الداخلي للذات الإنسانية حيث تستحضر الماضي عبر الذاكرة من خلال (الاسترجاع، والتذكر) للمجد السالف، ويتجلى المستقبل عبر الحلم، والتوقع في لحظة الحاضر، ويتخلخل الزمن أو يتشظى وفقاً للحالة النفسية للذات.

يطلق (نور الدين) نداءاته لأصدقاء هذا العالم الجديد كي يتركوا الحروب التي تستجلب الموت للبحث عن القوت الذي يحفظ الحياة، ويرى الشاعر قوة جديدة لم تعرف من قبل (للأزهار) حيث يرى أن باستطاعتها أن تسد "فوهات البنادق"..

"يا أصدقاء العالم الجديد

هيا لنبدل البارودَ بالدقيقِ

وندسَّ الأزهار في فوهات البنادق"

وفي النهاية وبعد المشاهدة، والتفكير، والحوار، والمناجاة، يمارس الشاعر تكنيك "التدوير"، ويقرر أن يفتح تلك النافذة التي كان يختبئ خلفها في بداية القصيدة على الينابيع، ويهزم العور بالمحبة..

"هيا لنفتح النوافذ على الينابيع

ولنهزمَ عُري الكون بالقُبلات".

يدعو (نور الدين) في قصيدته لهجرة جديدة، لأن تُصغي آذان العالم للموسيقى، وتستجيب الأعين للجمال..

"أما آن أن نترك العالم القديم؟

ونصغي لما يقوله الناي للأقحوان؟!"

ليتم بتلك الدعوة رسالته السامية والبديعة التي أرسلها للقارئ على (شال ورقة) ليعكس لنا بذلك رؤية جيله التي تتميز بالوعي، والنضج، والتي بدأ الأمل يشوبها في أن القادم ربما يكون أفضل.

 

القصيدة:

سفرٌ جديدٌ


الوقتُ الآن مهيأٌ لمهادنة عالمٍ جديدٍ
يمكننا أن نصنعَ نافذةً

الرصيفُ اليوم ممتدٌ
ولكن أي قدم ستخطو؟


العشبُ مازال ينتظرُ وطأة الندى
والفصولُ لازالت تختبيءُ في الظلال

والوعولُ لا تكُفَ عن حُلمِها بامتداد الأنهار
والمحارُ مازال في أعماق البحر ،فأي يدٍ تطففهُ؟

قال الراعي للجبل:
لا مياه في الصحراء
فمتى يرتشفُ النخيلُ الغيمَ؟

رد الصدى السماوي
وتناقلت الرياحُ مداده
على شال ورقةٍ


تفجرت عيون موسى

لا شيء يحدثُ ، لا شيء
مجردُ شاعر
يطهو قصيدتهُ بين ضلعيه

فيصبُ الغمامُ مدادًا روحانياً
يحيكُ سحابةً وينسجُ غابةً


هنا يا رفاق طُبّقت الأبجديةُ كوناً
من بكارة الأمطارِ

هنا تنصّب الألف علماً
بدّد كينونةَ الكوليرا

وصارت الباءُ عُقاباً
انتشل الإمبراليةَ عن الحنطةِ



الأباريق الآن تعتّقُ وقتاً جديداً

يبدأ الفجرُ
عندما يرخي الصفصافُ غصونهُ
ليعانق نرْجِساً

يبدأ الصباحُ
عندما يُطْلِقُ صَريرُ الريحِ صفارةً
لسباق الحمامِ



يا أصدقاء العالم الجديد
هيا لنبدل البارودَ بالدقيقِ
وندسَّ الأزهار في فوهات البنادق


هيا لنرقبُ الظباء وهي تَقضمُ
الديدان التي تمزّق السنابل


هيا لنفتح النوافذ على الينابيع
ولنهزمَ عُري الكون بالقُبلات



دعوا الكلماتَ تتسع
لتحتوي البحرَ

دعوا الأرضَ تبورُ
إن كانت سقايتها دم الأبرياء



أما آن أن نترك العالم القديم؟
ونصغي لما يقوله الناي للأقحوان؟!

شعر: نور الدين نادر زكى






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader