الخميس 28 يونيو 2018 - 01:19 مساءً

د. نهى بلال تكتب: "الذمة المالية للمرأة في الإسلام"

د. نهى بلال

لِمَـنْ ينكرون الذمة المالية للمرأة في الإسلام..
رعت الشريعة الإسلامية حقوق المرأة المالية على الوجه الذي يرسخ استقلالها ككيان مسئول مكلف:

أولاً ـ حق المرأة في التملك والتصرف في ملكها:
لم يقف القرآن الكريم بالمرأة عند حد تسويتها بالرجل في المسئولية أمام الله عز وجل، وتسويتها بالرجل في حق حرية الرأي واحترامه، ومساواتها بالرجل في كافة الحقوق، بل سوى بينهما في حق التملك، ومباشرة عقود التصرفات بجميع أنواعها، فالمرأة إذا بلغت وظهرت عليها علامات الرشد وحسن التصرف زالت عنها ولاية وليها أو الوصي عليها، سواء أكان أباً أو غيره، ويكون لها حق التصرف في شئونها المالية والشخصية.

فالقرآن الكريم جعل للمرأة الحق في الملك ملكاً خاصاً بها، وجعلها صاحبة السلطان في إدارته والتصرف فيه، وحظر على الرجل أن يمد يده إلى شيء منه إلا بإذنها ورضاها، فأعطى الاسلام المرأة حق التملك وحق التصرف في ملكها بما تشاء: من البيع، والشراء، والهبة، والصدقة، والوصية، والإجارة، والإنفاق، والوقف، والرهن، كما أن للمرأة حق التقاضى والدفاع عن نفسها، وعن ملكها، كما أن للمرأة حق إقامة الدعوى.

كما أن الاسلام لم يحرم المرأة حقها في البيع والشراء (دون خلوة ولا اختلاط) فالشريعة الإسلامية تحتفظ للمرأة بأهليتها الكاملة في إدارة أموالها، وإجراء مختلف العقود، كما جعل القرآن الكريم للمرأة حق التخلص بما لها في حالة سوء معاشرة الزوج لها إذا رأت أن في ذلك سبيلاً لراحتها، وقد كان شأنها في ذلك شأن الرجال، يتخلصون بأموالهم من كل ما ينزل بهم متى رأوا أن بذل المال سبيل للخلاص منه، وهذا دليل على حق الملكية التامة، وحق الحرية الكاملة في التصرفات.

ولننظر إلى قوله تعالى في سورة البقرة:
(فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون).
ثم قوله تعالى
(وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا). (4) ‏النساء

(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ ‏بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ ‏مِيثَاقًا غَلِيظًا). (21) النساء

ثانياً ـ حق المرأة في مباشرة عقود المدنيات كافة:
أ. باعتبارها زوجة :
جعل القرآن الكريم للمرأة الحق الكامل ـ مثل الرجل في الأهلية ـ للتملك والتصرف فيه، كما جعل لها الحق في مباشرة عقود المدنيات من بيع، وشراء، ورهن، وإجارة، ووقف، كما أنه يصح للمرأة أن تكون وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأباح القرآن الكريم للمرأة أن توكل غيرها في كل ما تملكه بنفسها، أو تتوكل عن غيرها في كل ما يملكه، فلها أن تكون وكيلة لأية جماعة من الأفراد في إدارة أموالهم، وأباح القرآن الكريم للمرأة أن تضمن غيرها، وأن يضمنها غيرها، على نحو ما أبيح للرجال من كل هذه التصرفات، لقوله تعالى:

(للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن).

وقد أجمع فقهاء الإسلام على أن النصوص الواردة في التصرفات المالية خاصة بالرجل والمرأة على السواء.

لقد أعطى الاسلام المرأة الحرية ـ كل الحرية ـ في التصرف في مالها وما تملك، متزوجة كانت أو غير متزوجة، ما دامت قد بلغت سن الرشد، وهي حرية لم يصل إليها أكثر التشريعات تقدماً، حتى في عهدنا الحاضر، حيث يشترط القانون الفرنسي الذي صدر عام 1942، موافقة الزوج على تصرف الزوجة في مالها. فالإسلام منح المرأة الاستقلال الاقتصادي الكامل، كما منحه للرجل، فللمرأة الحق أن تبيع وتشتري، وتؤجر وتهب، وتستأجر بحرية كاملة في إطار الصالح العام لأفراد المجتمع، ولها أن تتصرف بشخصها مباشرة لا وكالة، وتعامل المجتمع بلا وسيط، كما أنه ليس للزوج أن يأكل من مالها إلا عن طيب نفس، وذلك طبقاً لقوله تعالى:
(فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً).

كما أن الاسلام يمنع الرجل من الولاية على مال زوجته. ويقول المرحوم الشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق، في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة):
(وإذا كان القرآن الكريم في مقام الشهادة اعتبر امرأتين مقابل الرجل، وقد علل ذلك في الآية الكريمة:
(أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى).

بأنه إذا نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى، فإنه ليس من شأن المرأة الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها، حيث تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ـ فلا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي من شغلها، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل. ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويمارسونها ويكثر اشتغالهم بها)_و لمن يطلب الاستزادة من هذا الباب مقال آخر إن شاء الله.

ب ـ باعتبارها بنتاً:
قرر القرآن الكريم نصيبها في الميراث باعتبارها بنتاً في قوله تعالى:
(يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساءً فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف).
فللبنت الواحدة النصف فرضاً إذا لم يوجد معها معصبها، وهو أخوها فأكثر. وللاثنتين فأكثر الثلثان عند فقد التعصب؛ و هذا لحكمة ربما يأتي دورها فنخبركم به فيما بعد..

ج ـ باعتبارها أماً:
قرر القرآن الكريم نصيبها في الميراث باعتبارها أماً في قوله تعالى:
(ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين).
فالأم تأخذ سدس التركة فرضاً عند وجود الفرع الوارث للميت.
وتأخذ ثلث التركة فرضاً عند عدم وجود الفرع الوارث للميت.

د ـ باعتبارها أختاً:
كما قرر القرآن الكريم نصيبها في الميراث باعتبارها أختاً في قوله تعالى:
(وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم).
وقوله تعالى:
(إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم).
فللأخت الواحدة النصف فرضاً عند عدم معصبها، وهو أخوها الشقيق، والجد أحياناً.
وللأثنتين فأكثر الثلثان فرضاً عند عدم معصبهما.
وترث الواحدة فأكثر بالتعصيب مع معصبها، وله ضعف الواحدة.
ويلاحظ هنا استخدام القرآن الكريم للأم الاختصاص والملكية، وتأتي هذه اللام في كل نصيب:
ففي نصيب الزوجة: (ولهن الربع) و (فلهن الثمن).
وفي نصيب البنت: (فلهن ثلثا ما ترك).
وفي نصيب الأم: (فلأمه الثلث) و (فلأمه السدس).
وفي نصيب الأخت: (فلكل واحد منهما السدس) و (فلها نصف ما ترك).
كل ذلك يؤكد مبدأ حق المرأة في الميراث بمقدار نصف ما يرث شقيقها.

هـ ـ للذكر مثل حظ الأنثيين:
لقد أعطى الاسلام المرأة نصيباً في الميراث، كما أعطى الرجل نصيباً، وإن كان نصيب المرأة أقل من نصيب الرجل، فلأن الرجل هو الذي ينفق عليها وعلى أولادها ومن يعولهم. إن النساء يرون أن يكون الرجل هو الباذل من أجلهن، المنفق المتكفل بالإنفاق عليهن، حتى يشعرن برجولته المنبثقة من القوامة والإنفاق،

فالقوامة معناها القيادة والرعاية والسند والملجأ والحصن والأمن.
وإذا كان أهم مواضع التفرقة بين الرجل والمرأة مسألة تقسيم الإرث، ومسألة القوامة، فذلك حق، ولكن ليس معناه منح ميزة للرجل على المرأة، فالاسلام يجعل الرجل هو المكلف بالإنفاق، ولا يطلب من المرأة أن تنفق شيئاً من مالها على غير نفسها وزينتها.

إن الإسلام فرض للمرأة النصف لأنها معفاة من أي تكليف، وفرض للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه حمله كل أعباء الصداق والنفقة على زوجته وأولادهما، وعلى الأقارب من ذوي الأرحام.

فأين الظلم الذي يزعمه دعاة المساواة المطلقة؟ إن المسألة مسألة حساب لا عواطف ولا إدعاءات.

تأخذ المرأة ثلث الثروة الموروثة لتنفقه على نفسها، ويأخذ الرجل ثلثي الثروة لينفقها على زوجة وعلى أسرة وأولاد، فأيهم نصيبه أكثر من الآخر بمنطق الحساب والأرقام؟!

إن المنهج الاسلامي يتبع الفطرة في تقسيم الوظائف وتقسيم الأنصبة بين الرجال والنساء، والفطرة ابتداءً جعلت الرجل رجلاً والمرأة امرأة، وأودعت كلاً منهما خصائصه المميزة، لتنوط بكل منهما وظائف معينة، لا لحسابه الخاص، ولا لحساب جنس منهما بذاته، ولكن لحساب هذه الحياة الإنسانية التي تقوم وتنتظم وتستوفى خصائصها وتحقق غايتها من الخلافة في الأرض، وعبادة الله بهذه الخلافة عن طريق هذا التنوع بين الجنسين، والتنوع في الخصائص، والتنوع في الوظائف، وعن طريق تنوع الخصائص، وتنوع الوظائف ينشأ تنوع التكاليف، وتنوع الأنصبة، وتنوع المراكز لحساب المجتمع المسلم، ولحساب الخلق والصلاح، والخير والعدل المطلق المتكامل الجوانب والأسباب. على أن هذا في المال الموروث بلا تعب، أما في المال المكتسب فلا تفرقة فيه بين الرجل والمرأة، وإنما المساواة الكاملة في الجهد والجزاء.

فيقول تعالى:
(ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليماً).

في هذه ـ من الآية الكريمة توجيه للنفوس وتربيتها على عدم التطلع إلى ما أنعم الله به على البعض، والتوجه إلى الله صاحب العطاء، وسؤال من بيده الفضل والعطاء، وذلك التوجه مصاحب لتقرير حق الرجال ونصيبهم فيما اكتسبوا، وحق النساء ونصيبهن فيما اكتسبن. إنها لمسة وجدانية مؤثرة، وتوجيهات تربوية من صنع العليم بالانسان وتكوينه النفسي ومسالك نفسه ودروبها الكثيرة.

هذا، والجدير بالذكر أنه في بعض الحالات سوى الإسلام بين الذكر والأنثى في الإرث، وذلك عند إتحاد السبب والعاطفة، كأولاد الأم، فإن المورث ليس له من أخيه لأمه من عاطفة التراحم الناشئة من صلة الأمومة أكثر مما له من أخته لأمه.






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader