الأحد 24 يونيو 2018 - 10:49 مساءً

إيمان الزيات تكتب: "ليالي أوجيني".. ونوستالجيا من نوع خاص

أفيش مسلسل "ليالى أوجيني"

منذ بداية عرضه وهو يثير عاصفة من الشغف والانجذاب في التعليقات التي تابعتها على المواقع الإخبارية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي لم أكن أقل شغفاً وانجذاباً ممن كتبوها نساء ورجالاً على اختلاف أعمارهم؛ فمسلسل "ليالي أوجيني" دراما نوعية تعكس صنفاً خاصاً من صنوف "النوستالجيا" العامة أو الحنين، ليس إلى "الزمان"، وثيمة "المكان" فحسب بل إلى “موتيفات شخوصية”، "ومشاعر" بعينها.
مشاعر يصعب التعبير عن عمقها وقوتها بالكلمات، ولكن يكتفي الأبطال بالنظر إلى نوافذ الروح – الأعين - لفهمها، واستنطاقها، بعيدين بذلك كل البعد عن تكنيك “اللازمة”، و"الإفيه" الركيك الذي صار جزءاً لا يتجزأ من تركيب الشخصية الدرامية المعاصرة، حيث هزلت المشاعر وحلت محلها العبارات الحنجورية الجوفاء، والأداء المبالغ فيه.




موتيفات ضمرت مجتمعياً كموتيفة (فريد): التي جسدها ببراعة واحترافية مائزة النجم "ظافر العابدين" تلك الموتيفة النبيلة التي تخلت عن أحلامها وطموحاتها الشخصية إزاء واجباتها العائلية والاجتماعية، وظلت تخفي عن الجميع ما يعتمل بها من معاناة وألم، قليل الكلام كثير الكتابة، فهو طبيب يعمل باحدى مستشفيات بورسعيد، يمر ببعض الظروف النفسية الصعبة منذ وفاة شقيقه، عالق في الواقع الكائن ولا يستطيع القفز منه إلى الممكن الذي يريده ويحلم به فيحاول الهرب من ذلك العجز بالقراءة والكتابة أحيانًا، دائم التردد على تياترو أوجيني، علاقته بزوجته، ليست مستقرة خاصة أنها كانت زوجة شقيقه، وتزوجها بعد وفاته للحفاظ على وجود ابنة أخيه “نادية” في الأسرة. يفقد ما كان يملكه بسبب الغيرة التي تتملك زوجته، لكنه يقوم من كبوته ليبدأ حياته من جديد ككاتب لا كطبيب، ومحافظاً على حبه الوحيد الذي يكنه لكريمان.

أما (كريمان) التي أدت دورها النجمة “أمينة خليل” بروعة وعذوبة، تلك المرأة التي ناوشتها الحياة بعنف ولكنها على الرغم من ذلك لم تتوحش، بل عادت لطبيعتها الأولى الرقيقة الخجولة والمهذبة بعدما مرت الظروف السيئة التي أظهرت خلال مرورها أسوأ ما يمكن أن يكون فيها.

إن هذا الشغف الملحوظ بعمل درامي كليالي أوجيني إنما ينم من دون شك عن حاجة المتلقي الماسة إلى سماع  لغة بسيطة غير معقدة، وحوار سلس يبعد عن الفجاجة والتجرأ كالذي صاغته "إنجي القاسم" و إلى موضوع انفلت من قبضة الصراع المكرور حول "المال"، و"السلطة" كالذي كتبته مؤلفة العمل "سماء أحمد عبدالخالق" متكئة على ما يسمى  "بالفورمات الأسباني" وهو أحد فورمات المسلسلات الأجنبية الرائج استخدامها مؤخراً في مجال الدراما خصوصاً بعد نجاحها فى الغرب ومتابعة الشعوب العربية لها مثل فورمات مسلسل "جراند أوتيل".

هذا التكنيك الذي ساعد المخرج "هاني خليفة" على أن يظهر للنور عمله الدرامي اللامع ليالي أوجيني، منغمساً في الكلاسيكية بداية من "الأفيش" ومروراً "بالتتر"”، و”الإضاءة” التي اتسعت بواسطتها مساحات الظلال اتساعاً فاحشاً لتصبح علامة سيميائية دالة على أن ما خفي في الأماكن وفي دواخل الشخوص أكبر بكثير من الظاهر الجلي، “الديكور” بقطعه الثقيلة الكبيرة والثمينة، ودهانات الحوائط رصينة الألوان، “الملابس” الأنيقة و"تصفيفات الشعر" المميزة، الأحذية، والشابوهات، ساعات اليد، والمجوهرات، والهواتف التي خلت من الهنات المعتادة، عادات الأبطال التي تعكس ميولهم وكوامنهم خاصة في طريقة تناولهم للطعام، نوعيات الأطعمة نفسها “كشك، مارون جلاسيه”، والتسالي “أبو فروة، وبطاطا”، المكان "بورسعيد" كمدينة ساحلية وثيمة البحر بما يمثله من حيرة، ورحلة محفوفة بالمخاطر، وغرق ونجاة للأمل والحلم، ومجتمع ضيق تنتشر فيه الشائعات انتشار النار في الهشيم.

خصوصية طريقة "الفلاش باك" المتشظي في "ليالي أوجيني" حيث قام مخرج العمل في كل حلقة بالتبئير ليس على أحداث الحلقة السابقة كما هو معتاد، بل على أحداث بعينها انتخبها المخرج بقصد، تلك الأحداث المنتقاه ما إن يتتبعها المشاهد ويضيف لها الجديد من الحلقة، فسيفهم التسلسل المنطقي للأحداث الذي لا علاقة له بالتسلسل الزمني الطبيعي بالضرورة، وهي طريقة مبتكرة ومميزة تنم عن وعي المخرج (هاني خليفة)، وقدرته على التواصل الجيد مع عقل المشاهد بجانبيه الواعي وغير الواعي.

كان للمرأة حضوراً متنوعاً في (ليالي أوجيني)، أمينة خليل (كاريمان/كريمة): متزوجة من “إسماعيل” الذي يجسده ضيف الحلقات خالد كمال، ولديها ابنة منه تُدعى “ليلى”، تُعاني (كاريمان) التعنيف والإيذاء من قبل زوجها، وفي آخر شجار بينهما تطور الأمر إلى أن ضربته بآلة حادة على رأسه، عندما أخبرها بأن ابنتهما في طريقها إلى باريس بعدما استقلت باخرة مع عمتها “إيمان”، وتركته غارقًا في دمائه وهربت إلى بورسعيد، وهناك أخفت حقيقتها عن من حولها وأطلقت على نفسها اسم “كريمة”، ثم بدأت العمل في تياترو أوجيني ومن بعده في بيت "فريد"، ثم في مطعم "صوفيا".

إنجي المقدم (صوفيا): إيطالية مصرية، تمتلك محلًا للحلويات الإيطالية، وصديقة “عايدة” زوجة “فريد”، تجسد دوراً لامعاً في هذا العمل بوضوحها وقوة تحملها وعلاقاتها الودية مع الجميع، والصداقة اللافتة التي جمعتها بفريد، والتي تعد من أنضج العلاقات الإنسانية في هذا العمل.
أسماء أبو اليزيد (جليلة): مغنية في تياترو أوجيني تجسد دور الفنانة "ثريا حلمي”، تعيش قصة حب من طرف واحد هو “أمين” مصطفى عبد السلام الذي يعمل جرسون في التياترو، ساعدت “كاريمان” عندما وصلت إلى بورسعيد، وجعلتها تسكن معها في بيتها، ووفرت لها فرصة عمل داخل تياترو أوجيني.

(عايدة) التي تجسدها اللبنانية كارمن بصيبص، زوجة "فريد" وعلاقتها به ليست مستقرة خاصة أنها كانت زوجة شقيقه، وتزوجها بعد وفاته للحفاظ على وجود ابنة أخيه "نادية" في الأسرة.

مريم الخشت (نبيلة): ابنة صاحب الأوتيل، بالإضافة إلى أنها صديقة "عايدة" زوجة "فريد".

و"انتصار" (نعمات): احدى الخادمات في أوتيل أوجيني، يقع في حبها صاحب الفندق ويتزوجها لعزة نفسها رغم رقة حالها، ورغم رفض ابنته “نبيلة”.
نادين (لولا): تقدم عروض استعراضية في تياترو أوجيني، وكانت على علاقة سابقة بـ”فريد”.

عدة أوجه للمرأة عكست أدوارها في المجتمع، وظهرت من خلالها فضيلة المدينة المصرية الكوزموبوليتانية المنفتحة ذات الشرائح المختلفة والنسيج المتوائم الذي يمكن أن يجمع في أحد المشاهد وعلى طاولة واحدة بين “كريمة” المربية المصرية، و “صوفيا” الإيطالية، و”عايدة” اللبنانية حيث يعيش الجميع تحت مظلة بميزة التعايش، والتقبل والتكامل.

استعرض العمل أيضاً أنماطاً متنوعة للأمومة من خلال عذابات “كريمان” في سبيل وصولها لابنتها “ليلى” التي انتزعت من أحضانها، صورة أخرى من المعاناة السيزيفية “جسدتها “صوفيا” التي تنتظر ابنها الذي تم تجنيده في حرب عالمية لا ناقة له فيها ولا جمل وهو لما يزل في السابعة عشر من عمره، استعرضت الكاتبة من خلالها جيلا كاملاً من الشباب قضى نحبه من دون أن يعرف أهله بموته حتى، وصورة للأم المستأسدة المتسلطة التي ضيعت أجمل سنوات ابنها وحبه الوحيد، تلك الموتيفة التي جسدتها ببراعة النجمة “ليلى عز العرب” من خلال شخصية “ماجدة” والدة “عزيز” واستطاعت أن تحفز مشاعر المشاهد ضدها ليشعر نحوها بالاستفزاز المستمر من خلال لغة جسدها البارعة، وملامحها وطبقة صوتها، فوالدة "عزيز"، تتمتع بشخصية قوية ومتسلطة على ابنها، بالإضافة إلى تدخلها في شئون من حولها، وعلى خلاف دائم مع غريمتها في حب ابنها "صوفيا".

فعّل العمل الدرامي المائز “ليالي أوجيني” بداخله مجموعة من العقد النفسية الشهيرة، كعقدة “إليكترا” التي جسدتها مريم الخشت (نبيلة): ابنة صاحب الأوتيل من خلال علاقتها بوالدها “صدقي”، ومعاملاتها الجائرة والمتعالية مع زوجته “نعمات”، وعقدة أخرى انبنت عليها شخصية “عزيز” هي عقدة “أوديب” التي جعلته مستسلماً لسطوة وسيطرة والدته “ماجدة”، ومحاصراً في سجن ما تعود عليه معها حتى بعد موتها، وأخضعته لترك “صوفيا” حب حياته والعزوف عن الزواج لسن متأخرة.

كما ظهرت ملامح الأسطورة لتأطير الشهوة بربطها بالموت والفوضى والخراب من خلال  نادين (لولا): المرأة المتمردة التى تتصف (بالجمال، والدهاء، والقوة) تلك الشخصية القوية والشبقية والمتمردة التي تقدم عروضاً استعراضية في تياترو أوجيني، وكانت على علاقة سابقة بـ”فريد” ظلت تطارده بسببها لتستحوذ عليه، ثم ما لبثت أن تحيك له المكائد وتتآمر مع زوجته ما إن تأكد لها انصرافه عنها. ووجهاً آخر للأسطورة السومارية "ليليث" أو "ليليتو" بالأكادية، وكلاهما من الجذر "ليلَ" الذي يعني الظلام. ساكنة الجنة الأولى وشريكة آدم قبل حواء، مثلته في قالب درامي (عايدة) التي كانت مفاجأة النهاية، والتي جسدته بانتقامها الجهنمي والساحق من زوجها "فريد" بعدما عرفت بأمر علاقته بكريمان أو "حواء" الأسطورة التي ينشدها آدم ويرغب في أن يمضي ما بقي من حياته على الأرض معها بعد سقوطه من الجنة المزعومة مع (عايدة).

أكد العمل الدرامي من خلال وضع أبطاله في دوامة الصراعات والمنغصات والكبوات على فكرة أن لا زمن يخلو من المتاعب والحزن، وأن الزمن محمل بشقي "الخير"، و"الشر" منذ بدء الخليقة ومهما اختلفت الوجوه والغايات، وأن "الغيرة" هي أصل الشرور والسيطرة آفة النزعات البشرية.

ربما كانت الكاتبة تحاول أن تثير استفهاماً معيناً في مرحلة ما من الأحداث بعودة “إسماعيل” زوج “كاريمان” السادي للظهور فاقداً لذاكرته بعد اقتناع المشاهد بأنها قتلته، استفهاماً يثير عصفاً ذهنياً حين تدور الإجابة عليه حول فكرة “الفرصة الثانية”، و”الميلاد الجديد” وهل إذا مُنح الإنسان مثل تلك الفرصة فسيصبح شخصاً مختلفاً عما كان عليه من قبل ويصلح ما أفسده في حياته الأولى، كما أوهمنا "إسماعيل" بذلك حين ادعى فقدانه للجزء الخاص بكاريمان من ذاكرته، ولكنها عادت لتقول أن الشر غير المنطقي أو المبرريملك العديد من الأقنعة، وأنه لابد وأن يدمر ذاته في النهاية لأن لا أحد يحصل من الحياة على كل شىء.

ربما يدعي البعض أن هذا العمل موسوم بالقدم وأن كل مافيه سالف، ولكننا سنكون مجحفين لو اتفقنا على هذا الرأي لأن العمل في باطنه يعبر عن حالة من الخرس الإجباري المفروض على الإنسان في أي زمان ومكان حيث لا يستطيع المرء فيه أن يعبر عن رغباته ومراده تحت وطأة العرف، والتقاليد، والظلم الاجتماعي المشروع.

إن الألم المكبوت، والخرس المفروض، والاستلاب هو ما جمع البطلين “فريد”، و”كريمان” في علاقة واحدة، بكيفية أكبر من الحب وأشد عمقاً من الرغبة، فجعل منهما وجهان للمعاناة البشرية بشقيها الأنثوي والذكوري، ذلك الألم الذي تجسد في صورة جمود سكن بملامح وجهيهما التي قلما تنبسط، وهذا الخرس الذي لا تنكسر قيوده إلا أثناء طقس البوح الانفرادي المعتاد حين يكتب كل منهما “بدفتر يومياته” الذي كان بمثابة “الصندوق الأسود” للشخصيتين، كما كان “البحر” أيضاً نقطة التقاء مشتركة بينهما يستودعانه أسرارهما من حين لآخر.


"انت الوجع اللي انا مستحلياه
انت اللي مش ممكن أعيش لو مش معاه
انا مدمناك..
مع إني عارفة انك طريق اخره سراب
لا انا قادرة من حبك أخف ولا قد أعراض الانسحاب"


كانت هذه هي الكلمات التي كتبها “أمير طعيمة” لتكون "تتر" مسلسل "ليالي أوجيني"، والتي بدت بصوت “نسمة محجوب” كأنين خافت، وبوح وشكوى لنفس شرخها العذاب، صوت لم تتعمد صاحبته أن يطرب السامع بقدر ما كان يجب عليه أن يبعث في النفس الشجن والحزن، فقد عبرت الأغنية ليس فقط عن علاقة البطلين الرئيسين “فريد”، و”كريمان” ببعضهما، بل عن جميع العلاقات الثنائية داخل العمل؛ فجميعها كانت تسعى خلف “السراب”، وتنتظر ما لا يحدث انتظاراً سيزيفياً عقيماً مولداً نوعاً من أنواع الألم الذي ألفته الشخوص من فرط استمراره ودوامه؛ “صوفيا” تنتظر عودة ابنها كل أربعاء، “وعايدة” تنتظر أن يحبها “فريد” كما تحبه، “كريمان” تنتظر أن تصل لابنتها، “جليلة” تنتظر الشهرة التي تحفظ ماء وجهها أمام عائلتها، “عزيز” يتمنى الزواج “بصوفيا” مجموعة لا نهائية من الحلقات المفرغة التي يدور فيها أبطال مسلسل “ليالي أوجيني”، منهم من وصل لما كان ينتظر، ومنهم من بقى عالقاً، أو غير مساره وانصرف عن الانتظار.

وعلى ذكر الأغنيات فلا يمكن أن نغفل بأي حال من الأحوال ذلك الاختيار المميز لمنولوجات الرائعة “ثريا حلمي” خاصة مونولوج “أما انت جرئ” الذي أدته “جليلة” برشاقة، ومونولوج الغيرة الذي تم تفعيله بإمتياز ليخدم مشهد جمع بين “فريد، وعايدة، وكاريمان، وإسماعيل، ولولا” في كازينو “أوجيني” ، والذي كان مشحوناً بمشاعر الغيرة بين جميع الأطراف؛ فجاء اختياره مع المنولوجات الأخرى اختياراً لافتاً وممتعاً ومتماهياً مع الحالات الشعورية، وروح العصر ونمط فنونه.

لم تسقط المؤلفة في فخ "النهايات السعيدة" الذي كان من شأنه أن يحلق بالعمل بعيداً عن الواقعية مسقطاً إياه في فخ “الطوباوية” الساذجة، فقد امتلكت من اليقظة والوعي الاجتماعي والسيكلوجي بشخوصها وبالأحداث ما جعلها تصيغ نهاية معلقة يقف الأبطال فيها على برزخ بين ما فات وما هو آت.

وخلاصة القول أن دراما "ليالي أوجيني" أظهرت أجمل ما في الجميع، نجوماً ومشاهدين وتقنيين، وعكست بروعتها الاحتياجات الحقيقية للمشاهد المصري الذي ينتصر دوما لكل إنساني وجميل.






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader