الخميس 14 يونيو 2018 - 01:12 مساءً

د. محمد حسن عبد الحافظ يكتب: "طفولة"

د. محمد حسن عبد الحافظ


يَضْمُرُ خيال الإنسان حين يتباعد عن خيال الطفولة؛ تلك التي تبدو سحيقة في روحه، يكاد يلامسها في أحلامه التي هي أزلَ خياله، حين كان يرى الكون منظومات من الأساطير، وسلاسل من الصور والمشاهد والرموز والعلامات، وحين كان بوسعه الطيران بسرعة الحلم في نفقٍ مظلمٍ صوبَ فوهةِ نورٍ أخَّاذ، وكان يرى الشمس طائرًا مجنحًا، والقمر قاربًا بأشرعةٍ من ملائكة، يسمو (كـ يُبْحِرُ) إلى لُجَّةٍ في ظلمةٍ موحيةٍ بمخبوء، يتبع الضوءَ في قلب الظلام باحثًا عن المطلق الذي لا ينتهي.

يتحرك ويرى ويشم ويلمس ويتخاطب، بإيقاعات اللون والصوت والرائحة والحركة، تلتبس الروح بالجسد، ويلتبس الجسد بالروح، وتلتبس الحقيقة على الحائر بين النفس والهيولى.

السماء تزرع الأرض بهواءٍ وماءٍ ونور. والأرض تمطر السماء بخيالٍ وإبداعٍ وفلسفة.

الإنسان بألف وجه، والوجه بألف أنف، والأنف تدنو لألف عين، والعين تعلو على ألف لسان، واللسان يتوسط بين ألف أذن، والروح واحدة، والوجود واحد.

القباب نهود العمارة في القصور والمعابد والقبور، وهي استدارات النفس الحبيسة. والمسلات أقضبة الحضارة كالفنارات والمنارات والمآذن. وهي صواريخُ دمار، ومجامرُ مدافع، وأنصالُ قَطْع، ومِزَقُ وصلِ السماء بالأرض.

الغرابُ يومئ بالأنباء التي لم تحدث بعد؛ ليقيم في النفس مملكة المشاعر من الخوف إلى الحرية.

الفأر ذو عيون باعثة لألوان وأصوات وروائح وإيماءات تمزج انفجارات الحروب بوحشية الإبادة، بمشاعر الكره، بأنفاس العداوة، بالاعتداء على الطبيعة.

الثعبان المرقَّط ذو القرنين المتدلى منهما جرسان ينذران بضجيج ما ينبئ عنه الفأر.

هناك يقف الطاووس المرشوق ريش ذيله الطويل بعيون الأرجوس في تعالٍ صامت - يحسبه الناظرُ خيلاء – ليوازن بين ريش ذيله الساكن، ورأسه الصغير – المكتنز بالأسرار والأسئلة - المتوَّج ببضع ريشاتٍ من نرجس.

يرى الحالم رأسه محل القمر، ويرى قمره محل الرأس. يرقب الناس التي ينفلت من مؤخراتها أذيالُ عقارب ملتوية ومسنونة الأذناب، أو أولئك الذين يستحيلون ثعالب وسحالي وغيلان. المخالب رمادية، والأنياب صليل سيوف، والألسنة ثعابين تدور على الرقاب، والعيون براكين تتقافز، والمشاعر آلهة تتشاجر، والعقل يحوي ما لا تعيه العقول.

في الأحلام وحدة وجود، وأزمنة أزلية، وأصوات صامتة، وبيوت من طينٍ قديم، وملامح من رخام ودخان، وموسيقى بلون الماء.

يعيش الطفل الحلم يقظةً، والأسطورة واقعًا، والمستقبل ماضيًا، واللاشعور شعورًا، على نحوٍ لا نظير له عند الرُّشَّد، إلا الفنانين الغواصين في أحلامهم، الحافرين في عوالم طفولتهم، الخالقين من ماء الخيال كل شيء جميل.






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader