الاثنين 11 يونيو 2018 - 02:16 مساءً

"الحفرة".. دراما في ست لوحات ـ عن قصة (حفرة) للأديب منير عتيبة

أحمد قاصد كريم

إعداد درامي ـ أحمد قاصد كريم

 

الشخصيات:

منصور    : طفل ثم شاب يرتدي ملابس رمزية لحالة روحانية، تختلف عن الملابس العادية

              لباقي الممثلين.

رجل 1  

رجل2   

امرأة 1

امرأة 2

الأب     : ملابسه خليط من ملابس منصور والملابس العادية.

أشخاص خلف شاشة خيال الظل.

أصوات من الخارج.

 

السينوجرافيا تجريدية لتناسب مضمون النص، الإضاءة ضبابية، الموسيقى تميل للصوفية.

 

 

لوحة 1

 

المنظر المسرحي: (لا يتغير في كل اللوحات)

اليسار معتم دائماً، به أثار حفر، المنتصف في العمق، شاشة خيال ظل، خلفها برتكبل لحركة الممثلين، اليمين، مدخل الدخول والخروج.

                                         (داخل الشاشة، امرأة راقدة، وامرأتان تساعدنها)

                                         (على المسرح، الأب، ومعه رجلان)

امرأة 1 : ساعدي نفسك.

امرأة 2 : زقي معانا.

(صوت صراخ الأم)

(تدخل امرأة منهم يديها بين فخدي الأم وتخرج وليداً)

(صوت وليد يبكي)

                                         (تحمل امرأة الوليد، الوليد يشير للأم)

امرأة 1 : ده بيشاور على أمه.

امرأة 2 : (تقترب من الأم الراقدة) دي ماتت.

                                         (تخرج المرأة من الاطار)

امرأة 1: (للأب) مبروك ما جالك، والبقية في حياتك في أمه.

                                         (موسيقى حزينة)

            (يبدأ الأب في الحفر وعندما ينتهي يدخل هو و الرجلان إلى

                             ويخرجوا بالأم بجنازة رمزية إلى اليسار)

 

                           اظلام

 

 

لوحة 2

 

                                (الطفل خلف الشاشة، الأب على المسرح)

                                (الطفل يكبر في السن باستخدام الاضاءة، الأب يحفر(شمال))

                                (الأب يدخل الاطار، يشير الطفل إلى الأب فيموت)

                                (يدخل الرجال ليحملوه في جنازة رمزية إلى خارج الاطار)

 

                                            اظلام سريع

                             (يكبر الطفل إلى سن الشباب، يخرج من الاطار، يتجه يساراً ثم يبدأ

                               الحفر)

                             (يدخل رجل1)

رجل1 : بتحفر القبر ده لمين يا منصور؟

منصور: للحاج عبد الحليم.

رجل 1 : بس أنا لسه شايفه من شوية في السوق بيحضر لفرح بنته وصحته تمام.

منصور : معرفش اللي أنت بتقوله ده، إللي أعرفه أنه حينزل الحفرة دي قبل الليل، ولازم أحضر

               حفرته كويس، ده رجل صالح.

رجل 1 : أنت مجنون.

منصور : مش عارف برضه، أنا الصبح شوفته في الحفرة، ولازم أحفر.

                                          (اضاءة خافتة)

                             (في الشاشة، يدخل الرجال يحملون نعشاً في اتجاه الجانب الأيسر)

رجل 1 : (بخوف) (ينظر إلى منصور) ده بصحيح، هو فيه أيه بيجرى بالضبط؟

 

                           اظلام

 

لوحة 3

 

         (منصور يحفر قبراً)      (رجل 1، رجل 2 يتابعانه)

منصور : يا ساتر، كأني بحفر في جهنم.

رجل 1 : ليه بتقول كدة يا منصور؟

منصور : هنا حتتعذب فكيهة الزيني، هنا الملايكة حتحاسبها، وهنا حتروح لجهنم.

رجل 2 : حرام عليك يا  منصور، دي ست طيبة، ربنا يخليها لعيالها.

منصور : مش عارف، إللى أعرفه أنها حتنام الليلة دي في الحفرة.

رجل 1 : أكيد أنت مجنون.

منصور : مش عارف.

رجل 2 : أنا سمعت أنها ماشية............(يكمل حديث صامت في أذن رجل 1)

رجل ذ: لا، لا أذكروا محاسن موتاكم، وغير كدة، ما حدش شاف عليها حاجة.

رجل 2 : ودي حاجة تتشاف؟

رجل 1 : (لمنصور) أحفر يا منصور، أحفر

رجل 2 : وأنا حموت أمتى يا منصور؟

منصور : مش عارف، بس ساعة ما حيجي دورك، حتكون حفرتك جاهزة.

                               (في الشاشة) (يدخل الرجال في جنازة حتى يخرجوا من الاطار)

                                      (يضعوها في الحفرة)

                                    (يرتفع صوت صراخ وبكاء أنثوي)

                         (منصور يبدو عليه اللامبالاة)

رجل 1 : كلام منصور طلع صحيح.

رجل 2 : صدقني، أنا مش عارف إيه اللي بيحصل.

رجل 1 : أنت كمان مش عارف، أمال مين اللي يعرف؟

                  (موسيقى صوفيه) 

 

                      اظلام

 

لوحة 4

 

يندفع منصور من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، كأنه يمنع الناس من الدخول للمقابر.

منصور : لا، لا، ما حدش يجيبه هنا، ادفنوه في أي مكان إلا هنا، حيتعذب، حيتعذب.

ص من الخارج: اعقل يا منصور، هو أنت حتعرف الغيب كمان؟

         (دراما حركية وكأنه في عراك مع أحدهم، تدفع منصور إلى خلف الشاشة،

          يظهر رجال وكأنهم يضربونه، ثم يلقى به أرضاً، تمر الجنازة إلى اليسار

                خارج الاطار، وتوضع في الحفرة)

          (يرتفع صوت صراخ)

 

                   اظلام

 

لوحة 5

 

منصور في المنتصف وحوله رجل 1، رجل 2، امرأة 1، امرأة 2.

                        (تتوالى الجنائز عبر الشاشة طول فترة الحوار)

رجل 1 : منصور، أبويا عيان، (بتردد) يا ترى شوفته في الحفرة؟

منصور : لا

رجل 2 : منصور، أنت واصل، تقدر تدلني على مكان السيغة المتخبية عندي في البيت؟

امرأة 1: تقصد سيغة مراتك إللى مخبياها منك.

رجل 2 : (لا يبالي) حاول يا منصور ولك الحلاوة، أكيد حتعرف، بص في الحفرة، بص في السما

              بص في أي حتة.

منصور : لا،  لا.

امرأة 1 : سيبك منه يا منصور، بس قولي، أنا حخلف والا لا، جوزي حيطلقني، أنا مستعدة لأي

               حاجة. (تحاول غوايته)

امرأة 2 : وأنا حتجوز أمتى يا منصور؟

                               (لايرد، يركع على الأرض مع تصاعد الموسيقى)

                                (يبدأ الاربعة في الدوران حوله)

 

                           اظلام

 

لوحة 6

                               

                                  (أربعة حفر في اليسار)

                                  (منصور راكع في منتصف المسرح وكأنه ينتظر)

ص من الخارج رجل 1: منصور بيعرينا قدام نفسنا.

ص من الخارج رجل 2: قصدك قدام الدنيا كلها.

ص من الخارج امرأة 1: ده فضحنا، مستنينا في أخر الطريق، وبيكشف سترنا.

ص من الخارج امرأة 2: البلد كلها مش قادرة ترفع راسها.

ص من الخارج رجل 1 : البلد كلها خايفة.

                (يتجه منصور بمقاومة إلى خلف الشاشة وكأنه يقاوم قوى غير مرئية)

                (يظهر في الشاشة الاربعة يحملون سكاكين وسيوف، منصور يبدو حائراً)

ص رجل 1: حنقتلك يا منصور.

ص رجل 2: مش حنستنا لما تفضحنا، أنت لازم تموت دلوقت.

ص امرأة 1: مش حنستنا لما تفضحنا، لازم نخلص منك.

ص امرأة 2: لازم تسكت علشان نعرف نرفع راسنا.

ص امرأة 2: الفضيحة حتقتل أهلينا لما نموت.

ص رجل 1 : أنت اللي لازم تموت الأول.

                    (منصور يبدا في التماسك حركياً، حتى يسيطر على المشهد)

الجميع       : لازم تموت.

                            (يخرج منصور من خلف الشاشة)

منصور   : أنتم اللي حتموتوا كلكم، أنا شفتكم في الحفر، أنت، وأنت، وأنتي، وأنتي، وحتبان

فضايحكم، وأنا اللي حفضل، أدفن فيكم واحد واحد.

                                   (يتشاحن الرجلان، والمرأتان خلف الشاشة)

رجل 1 : ده محضر الحفر لنا من قبل ما نيجي.

رجل 2 : ما تخافش، مافيش حد فينا حيموت.

امرأة 1 : صح، ده محضر حفرتين لكم وحفرتين لنا.

امرأة 2 : اسكتي، هو اللي حيموت.

رجل 1 : منصور، سامحني، أنا عاوز أعيش.

رجل 2 : (بخوف) أنت بتقول أيه؟.. هو اللي لازم يموت.

امرأة 1 : اتفضح بس أعيش، مش عاوزة أموت دلوقت.

امرأة 2 : (بخوف) أنا ما اقدرش على الفضيحة، هو اللي لازم يموت.

                              (يتقاتلون فيما بينهم في دراما حركية، حتى يخرجوا من الشاشة،

                                  ويقعون في الحفر موتى من تلقاء أنفسهم)

                             (يتجه منصور لمكان أخر ويبدأ الحفر، ينظر للجمهور وكأنه

                              يختار منهم، من ستكون الحفرة له)

                             (يستمر في الحفر مع موسيقى مناسبة)

 

                        ستار ضوئي

 

*****************************************

قصة "حفرة" للأديب منير عتيبة

أشعل خليل التربي اللمبة نمرة خمسة ليبدد الظلمة التي تعقب الفجر الكاذب. أضاءت اللمبة عشته الصفيح المقامة خلف مقابر القرية. نظر إلى زوجته المستغرقة في النوم بعد إجهاد الولادة. حمل وليده ابن الساعتين. نظر في عيني الوليد. اجتاحه الرعب وهو يرى فيهما حفرة عميقة وزوجته مكومة فيها على نفسها كطفل في رحم أمه.
بعد صلاة الظهر صلت عليها القرية صلاة الجنازة. ودفنها خليل.
*

يسلق خليل ثلاث حبات من البطاطس على وابور الجاز أمام العشة. يخرج إليه منصور ماشيا بصعوبة. يحاول منصور تعلم نطق الكلمات:
-
احفر للحاج عبد الحليم طنش
يلتفت إليه خليل فزعا:
-
لماذا قلت ذلك؟
تخرج الكلمات من فم منصور حروفا مبعثرة لا سيطرة له عليها:
-
رأيته في حفرة.
 

لمعت حبات العرق على جبين منصور بعد انتهائه من الحفر. خرج خليل من العشة متثائباً يتمطى:
-
لماذا استيقظت مبكرا؟
فرك عينيه متخلصا من عماصهما الثقيل. رأى الحفرة الملاصقة لجدار العشة:
-
لمن هذه الحفرة؟
نظر منصور في عيني أبيه لحظة. طأطأ رأسه. تابع خليل الدمعة التي سقطت من عين منصور في عمق الحفرة وقلبه يخفق بعنف.
قبيل المغرب دفن منصور أباه. دخل العشة تحرقه رغبة عارمة فى الاستمناء.
*

فوجئ أهل القرية بحريق كبير في المقابر. وضعوا نعش المعلم فتوح السمان أمام الباب الرئيسي للمقابر. جرى بعضهم يستطلع الخبر. منصور يلقى بمزيد من الحطب والجاز في قبر عائلة السمان. جذبه على السمان من كتفه فأوقعه على الأرض:
-
ماذا تفعل أيها المجنون؟
- أحاول حرق الحيات الضخمة التي تفتح أفواهها في انتظار عمك. لكن لا فائدة. القوه إليها.
دفنوا فتوح السمان بينما بعض شبان العائلة وخدمها يضربون منصور في عشته. تركوه على شفا الموت.
*

جرى منصور إلى أول شارع الرحمة المؤدى إلى المقابر. حمل نعش على السمرا مسحراتي القرية. جرى. زعق فيه أحد حاملي النعش:
-
اهدأ يا منصور وإلا أوقعتنا بالخشبة على الأرض.
-
الجميلة تنتظره هناك.
*

وقف منصور على باب المقابر. انتحى بالسباعي زوج فكيهة الزيني جانبا. همس في أذنه بكلمات قليلة. ثار السباعي وضربه في وجهه. أقبل أولاده وأخذوا يضربون منصور من دون أن يعرفوا السبب.
تكوم منصور على نفسه متابعا عملية دفن الحاجة فكيهة. أغلقوا القبر عليها. كان السباعي آخر المغادرين. بصق على وجه منصور المدمم. قال منصور بصوت واهن:
-
لو قطعت لسانها قبل الدفن ربما لم يجدوا ما يعلقوها منه بمسامير اللهب.
*

طرق عثمان الغنيمي باب عشة منصور طرقات خفيفة لا تكاد تُسمع. ناداه منصور من مكان خلف العشة:
-
أنا هنا يا عثمان
أسرع عثمان باتجاه الصوت. منصور يجلس مرهقا في ظلال قمر شاحب. أمامه حفرة يزيد عرضها عن عشرة أمتار.
-
خذ يا منصور. مائة جنيها. وادفن أمي في صمت.
-
هذا قبر أمك يا عثمان.
-
لماذا هو عريض هكذا؟
- إنه ضيق جدا. مهما وسعته يضيق أكثر. ارموها فيه وخلاص.
دفعه عثمان بقدمه فسقط في الحفرة. أخذ يهيل عليه التراب. منصور ينظر إليه صامتا. تعب عثمان. ألقى الفلوس في الحفرة. مضى باكيا.
*

الحفرة مستعدة لاستقبال الجثة. أخرجوا جثة حمدان العبيط من الخشبة. فوجئوا بمنصور يخرج مطواة من جيبه. يمزق الكفن. يقطع عضو حمدان. يلقيه بعيدا:
-
هذا الذى أهلكه. هذا الذى أدى إلى اختلاط أنسابكم يا بقر.
*

طرقات عنيفة على باب عشة منصور. انتفض من نومه فزعا. قبل أن يقوم من سريره ليفتح الباب كان بعض الشبان قد خلعوا الباب من مكانه. حملوا منصور خارج العشة. ألقوه على الأرض. تحلق أهل القرية حوله. يحملون المشاعل والفؤوس والنبابيت والسكاكين وأيادي الهون. رجال ونساء وأطفال اختلطت أصواتهم تتهمه بالسحر وقتل الناس وفضحهم. تعلو الأصوات مطالبة بقتله في الحال. يجلس متربعا على الأرض. ينظر إليهم جميعا بلا تعبير على وجهه:
-
لن تقتلوني الآن.
-
بل سنقتلك. القرية كلها على قلب فرد واحد ستقتلك.
يرددون جميعا بتحدٍ صارخ.
-
لستم على قلب فرد واحد. لم أر حفرتي بعد. لكن...
يصمت. يعيد النظر إليهم. تدق القلوب خوفا
- لكنى رأيت حفرتين. سيقتتل اثنان وأدفنهما بعد ساعة.
ينظر كل منهم للآخر. يفكر كل منهم فيمن يكرهه. من يتمنى موته؟ من يمكن أن يقتله؟
قام منصور بهدوء. دخل العشة. خرج حاملا أدوات الحفر. بدأ يحفر. بينما يشدد كل منهم على الآلة التي في يده.

 






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader