الأربعاء 30 مايو 2018 - 01:37 مساءً

"بأى ذنب قهروا".. قصة قصيرة

أمينة صالح الزغبي

بقلم: أمينة صالح الزغبي

 

(كلمة في أذنك يابابا.. حتي لا تسمع تيتا!)   

هكذا همس الصغير في أذن والده  حينما رآه في الشقة الكئيبة المخصصة لرؤية الأطفال ..التي يطلقون عليها مقر لتنفيذ حكم الرؤية ..والتي أختارها الأب مضطرا لأن الزوجة التي ترفض استمرار الحياة الزوجية لا لسبب ..غير أنها تريد أن تعمل وتعيش بعيدا عن أي مسئولية .. ترفض تنفيذ الرؤية في أي نادي ..لأن هذه الشقة قريبة من منزل والدتها ..التي تعيش فيه كالاجئين هي وطفليها.. بعد أن تركت منزل الزوجية بمحض أرادتها!!

ورفضت كل وسائل التراضي.. فاختارت التقاضي!!

بعد أن وضع الأب الشاب البالغ من العمر.. خمسة وثلاثين عاما.. أكياس اللعب.. المأكولات.. التي يأتي محملا بها كل أسبوع.. يسرع الخطي.. تسبقه روحه قبل جسده ..الي هذا المكان ..الذي أصبح يراه أجمل مكان علي وجه الأرض !!

لمَ لا!!  فهو المكان الذي يجمعه بفلذات كبده.. الصغار.. كل مرة.. يطير اليهما متمنيا أن لا يخذل هذه المرة.. فمن باب العناد.. والتعذيب له.. تمنعهم الزوجة.. بل والجدة المتحكمة في كل شئونهمامن الحضور.. ليمر أسبوع تلو الآخر.. حتي تحضرهما!!

وهي لاتعلم.. أنها بذلك.. لاتعذب الزوج فقط.. لكن.. العذاب كل العذاب.. لهذين الصغيرين.. اللذين لم يخلقا للعذاب !!

أخذ الأب طفله البالغ من العمر سبع سنوات  .. بيده اليمني ..مد اليد اليسري ليمسك بكف طفله الثاني ..البالغ من العمر خمس سنوات ..جلس ..رفع صغيرهليجلسه علي فخذه الآيسر ..جذب الكبير نحوه برفق ..ليصبحا الأثنان داخل الدائرة التي صنعها  بذراعيه ..أحكم غلقها بكفيه ..أمطرهما قبلا ..لكي يملأ صدره برائحة البراءة التي تفوح منهما ..يتمتم بكلمات غير مفهومة لهم ..يبتلع دموعه ..تصرخ الآه داخله محاولة الخروج ..لكنه يمنعها خوفاعليهما ..يفلت كفيه ..ينسدل ذراعيه بجانبه ..تخرج من صدره تنهيدة ..يتحرك بأثرها شعر الصغيرين الحريري ..يتمالك نفسه ..يربت علي ظهر طفله الكبير الواقف بين قدميه ..متكأ علي فخذ والده  الأيمن ..يصنع بسمة عريضة علي وجهه وهو يقول له:

كنت تريد حبيبي أن تحدثني عن شيء في أذني ..ماهو حبيبي ؟ لماذا تقوله في أذني ؟ أهوسر ؟

أقترب الطفل الكبير حتي وضع فمه علي أذن والده وهمس له :

لاترفع صوتك يابابا ..حتي لاتسمعنا تيتا بالخارج .. تعلم لماذا لم نأتي للرؤيا الأسبوعين الماضيين ؟

سأقول لك هذا السر ..المرة الماضية ..تيتا سمعتني أنا وأخي ..حينما قلت أنا لك ..أحبك يابابا أد الدنيا كلها ..لأنك أشتريت لي كرة القدم التي أحبها ..وسمعت أخي وهو يقول لك .. أرفعني يابابا علي كتفك ..لف بي في الحجرة ..سمعتنا أيضا ونحن نضحك معك ..وأخي كان يقول لك خذني معك ..حينما رجعنا الي المنزل ..حبستنا داخل الحجرة ..ضربتا بالعصا ..أخذت مننا اللعب ..الكرة أيضا أخذتها مني ..وأغلقت باب الحجرة علينا ..وتركتنا نبكي حتي جاءت أمي من العمل ..كنت أنا وأخي قد نمنا من كثرة البكاء ..دخلوا الحجرة وأيقظونا .. ظلت تيتا تحكي لأمي هذا الكلام ..وأمي تصرخ في وجهينا ..ثم خرجت أمي من الحجرة ..عادت معها اللعب والكرة في يد ..في اليد الأخري سكين ..أعطتها لتيتا هي والكرة ..أخذت تيتا تقطع الكرة بالسكين ..أنا أصرخ ..أستعطفها أن تتركها ..كان نفسي ألعب بها ..يشاهدها أصحابي في المدرسة ..أقول لهم بابا جابلي كرة حقيقية ..لكنها رمتها في وجهي بعد أن مزقتها وهي تقول لي :

عشان تقول له تاني بحبك أد الدنيا

أما أخي ..فقد أخذت أمي السيارة بالريموت التي أحضرتها له ..كسرتها الي ستون قطعة ..كان أخي يصرخ ..يلطم بكفيه علي وجهه ..ينادي عليك ..وأنا أيضا.. لكن أمي ضربته وضربتي وهي تصرخ فينا قائلة :

أنتم لسه بتنطقوا أسمه ..والله عقابا لكم ..مافيش رؤية تاني ياكلاب

أختلطت دموع الطفل الكبير المتلامس لوجه والده ..ليهمس له بمأساته هو وأخيه ..بدموع والده ..الذي كان مطأطأ الرأس مستسلم لطفله حتي ينتهي من شكواه لوالده ..بينما كان الصغير يجلس علي فخذ والده الآيسر ..واضعا رأسه علي صدره ..يعبث في أذرار قميصه ..كأنه يملأ رأتيه برائحة والده ..ولسان حاله يقول :

لماذا يبعدوني عنك حبيبي ؟!

وكأن الهدوؤ الذي ساد الحجرة ..قد أستفز هذة الجبارة ..القابعة بالخارج ..المدعوة .. تيتا ..فأرسلت مدير المكتب ليشاهد ماذا يحدث ..ليأتي لها بالأخبار ..

بعد أن طرق طرقة خفيفة علي باب الحجرة ..الموارب أصلا ..دلف الي الداخل ملقيا السلام علي الأب ..الذي لم يرفع رأسه ليرد التحية ..أخذ يبحث عن منديل داخل جيبه ليلحق مايسيل من أنفه بفعل البكاء ..هاله مارآه ..سحب كرسي بسرعة ..جلس وهو يحوقل :

لا حول ولا قوة إلا بالله .. وحد الله يابني ..ماذا حدث ؟

رفع الأب الحزين رأسه ..أخرج منديل ورقي آخر ..جفف لطفله المسكين دموعه ..قبله ..أنزل الآخر من علي فخذه الآيسر .. قبله ..وقف ..أجلسهما علي كرسيين من الكراسي الموضوعة حول منضدة خشبية قديمة موجودة بالحجرة .. أخرج لهما الطعام من الكيس ..علب العصير أيضا ..أعطي لكل منهما طعامه .. ربت علي كتفيهما قائلا في أسي :

تناولا طعامكما أحبائي ..سأشتري لكما لعب غيرها .. ثم رجع الي كرسيه أمام مدير المكتب الذي جلس منتظرا ليجد تفسير لما رآه ..

لكنه ظل صامتا ..ينظر الي الأرض ..مد مدير المكتب الذي كان تقريبا في عمر والده .. يده ليرفع وجهه قائلا بصوتا خاشع :

تكلم يابني ..أعتبرني والدك

هنا رفع الأب وجهه ..لم يتمالك دموعه التي سالت مرة أخري .. لكنه ..رفع كفيه ليمسح بهما عينيه .. نظر الي الرجل شاهرا أصبعه أمامه ..قال غاضبا وهو يحاول خفض صوته ..خوفا علي أولاده :

الي هنا وكفي ..أنا لن أترك أولادي لهؤلاء المجرمين مرة ثانية ..سوف أقاضيهم ..سأدخلهم السجن علي مافعلوه بهم ..أنا سأخرج لها هذه المجرمة التي أنتزعت الرحمة من قلبها ..سأبرحها ضربا ..سأفعل بها كما فعلت بهم وهم لاحول لهم ولا قوة ..سوف أ......
أمسك المدير يده محاولا تهدأته ..خافضا صوته ..قائلا :

أهدأ يابني ..أهدأ .. أستعذ بالله من الشيطان الرجيم .. قص علي ماحدث ..أرجوك ..

بعد أن أستجاب الأب الشاب المسكين ..لدعوة المدير ..قص عليه كل ما سمعه من طفله الكبير ..كان الرجل يردد بين الحين والآخر ..

( لا حول ولا قوة إلا بالله – أستغفر الله العظيم ) فقد كان الرجل ذو لحية رمادية اللون ..يظهر علي وجهه الصلاح ..بعد أن فرغ

الأب من الحديث ..نظر اليه الرجل ..هز رأسه متأسيا بما سمع ..أخفض صوته وهو يقول :

أقترب يابني ..أسمع ماأقوله جيدا ..أنك كما أري رجل محترم ..يشهد الله أن هذا مارأيته منك منذ تنفيذ الحكم .. أشهد أيضا علي ماتعانيه كل مرة تحضر فيها الي هنا ..ولا يحضر الأطفال ..لذلك أسمع ماأقوله لك :

أمامك طريقين :أولا :أما أن تأخذ أولادك الآن ..تذهب لقسم الشرطة ..تعمل محضر بالواقعة ..في هذه الحالة ..لا بد أن تأخذ الأطفال معك بعد ذلك الي منزلك ..لأنك لاتأمن عاقبة ذلك عليهم ..هنا ستقوم هي بعمل محضر ضدك أيضا ..هذا إذا كانوا محترمين !..

ممكن طبعا أن يسلكوا مسلك آخر !! مما أراه سوف يختاروا الأخير ..في هذه الحالة سيدفع الأطفال الثمن ..بهدلة ..أقسام ..مشاهدة مالايجب أن يشاهدوه ..أو يسمعوه !!

قاطعه الأب مشيرا بيده قائلا :

لأ ..لن أدخل أطفالي قسم بوليس ..كفاهم مايعانون .. أنا سآخذهم هاكذا

هنا أمسك الرجل يده ..ضغط عليها بين يديه وهو يقول :

أسمع الحل الآخر أولا ..علي فكرة ..هي من أرسلتني ..سأخرج اليها الآن ..أقص عليها ماحدث لكن بطريقة لا تؤذي  الأطفال ..سأقول لها أنك كنت تنوي أخذ الأطفال .. رفع قضايا ضدها ..ضد زوجتك أيضا ..ستطالب بعرض الأطفال علي الطبيب الشرعي ..لأثبات آثار الضرب علي أجسادهم ..هذا كله بالفعل يمكن أن تفعله ..لكننا سننذرها هذه المرة ..لتعلم أنها إذا كررت ذلك ستنال العقاب ..صدقني يابني .. لقد مر عليً كثيرات مثلها في هذا المكان ..أرتجعن خوفا من السجن ..

نهض الأب واقفا ..قال بحدة لم يستطع أن يسيطر فيها علي نبرة صوته وهو يتجه الي خارج الحجرة صارخا:

ولماذا لا أسجنها لتنال عقاب مافعلته بأولادي ؟

لماذا أرحمها وهي لم ترحم ضعفهم وقلة حيلتهم ؟

أسرع مدير المقر خلفه ..يحتضنه من خصره ..محاولا تهدأته بعباراته الدينية ..لكن ..هيهات ..هيهات  أن يستجب ..فأصبح كالمجنون يصرخ .. يتوعد ..لم يثنيه عن ذلك ..إلا هذين الصغرين اللذان تعلقا بمنطاله ..ملأ صراخهما المكان وهما يرددان ..بابا ..بابا ..

أسرع المدير ليقف أمامه ..مصوبا وجهه المحتدم الي الجدة ..قاسية القلب ..فاردا ذراعه ..مشيرا بأصبعه اليها ..منذرا لها بكل ماقاله مسبقا للأب الحزين ..خاتما كلامه معها بقسمه :أقسم بالله لو تكرر هذا مرة ثانية ..سأكون أنا أول شاهد عليك لتنالي عقابك ..أياك أن تمسيهم بسؤ ..إن كنتم قد أختلفتم مع هذا الرجل ..ماذنب أطفاله حتي تقهروهم .. أتقوا الله.






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader