السبت 19 مايو 2018 - 11:27 مساءً

"الخروج الآمـن".. قصة قصيرة

د. نهى بلال

بقلم: د. نهى بلال

لم تدرِ كَمْ من الوقت مـرَّ من عمرها منذ أن لفظتها البيـوت، فوجدتْ الشارع موطنًـا لها؛ فكان أحن عليها من البشر.

تجوب الشوارع و الأرصفة ثم تأوي ليلاً إلى زاوية آمنة لتلقي بجسدها النحيل المنهك الذي هده التعب، و تبعثرت بصمات أقدامها الصغيرة في الطرقات.

ربتَ على كتفها، فاستيقظتْ، جذبها من يدها الرقيقة ليستنهضها بعد أن أغراها بوجبة ساخنة حملها في يده، وتفوح رائحة الشواء الزكية التي استدرجتها لتتبعـه.

كَـقطة صغيرة جائعة تبعته طمعًـا في طُعْمَةٍ يسيرةٍ.

حملتْ ما تبقى معها من بعض الورود الذابلة التي تعرضها نهارًا على المارة، وتعلمتْ كيف تُرْغِم رواد الكورنيش من العشاق على شرائها مع دعوة مدفوعة الأجـر؛ المتيم المضطر يبتاع منها الورد مجبراً ليتخلص من إلحاحها و لحفظ ماء الوجه أمام محبوبته.

أدخلها إلى بيته أو بمعنى أدق حجرته، دارتْ في الغرفة، فأدركتْ أنه أكثر حظًـا منها بهذا العش الصغير الذي كان مأواه ليلاً بعد أن كان يقضي نهاره مثلها يجوب الأمـاكن مادًا يده للعابريـن.

ابتسم لها لتطمئن إليه، ثم أخبرها أنه لا يمانع أن تمكث عنده وتشاركه المأوى.

مرتْ سنون عدة. اعتادتْ على الحياة معه، يخرجان مع شروق الشمس ليطويا وجه الأرض قدر ما يستطيعان ثم يعودا آخر الليل، فيأوي كل منهما لفراشه،فلا تسمع إلا صوت أنفاسه المتلاحقة التي يكابد صعوبة دخـولها و خروجـها شهيقًـا و زفيرًا حتى خمد هذا الصوت ذات يوم.

لم يتوقف يومًـا عن الحديث معها عن مثواه الذي أعدَّ له؛ فقد دفع للجمعية الشرعية ثمن الحفرة التي سيوارى في ثراها بعد مماته وكذا ثمن ثوبه الأبيض، فلم تبقَ لديه أمنياتٌ في الحياة سوى حصوله على مكانٍ لائق و تكريم من الحياة و لو مرة واحدة.

أتى نائب الجمعية ومعه سائق العربة ليتسـلماه.

وقفتْ دون حراك غير مبدية لأية مشاعر حتى اختفى الجثمان، تذكرت وصيته الثانية،شرعت تبحث بالغرفة عن الكـنـز الذي تركه ميراثًـا لها، فوجدتْ مبلغًـا طائلاً من المال.

أحستْ بامتنان لهذا الإنسان الذي اعتبرها " ابنـة ً" له رغم أنها لم تدرك مطلقًـا معنى هذه الكلمة.

عادتْ إلى الشارع مرةً أخرى و للمرة الأولى في حياتها أحستْ باليتم و الفقد؛ بينما تدفقتْ مشاعر أنثوية مباغتة استحثها ذاك الشاب اليافع_ بائع الجـرائـد_ رفيق آخر بلا مأوى..

عادتْ به رفيقًـا لفراشها،
وفي الصبـاح غادر مع گـنـزها بعـد أن ترك لها نبض جنين بأحشائها.

غيض ماؤها بعدما أخرجتْ للحياة نَـبْـتًـا آخـر بلا هوية، بنتٌ تشبه أمهـا بَيْدَ أن العنوان كان الرصيف القريب من غرفةٍ أسفل الحياة الگـريمة.

 






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader