السبت 10 مارس 2018 - 12:29 مساءً

دورة.. "حياة"

 
بعناء بالغ.. حدثنى صديقى عما تكبدته والدته المبتلاة فى تنقلاتها بين أحياء القاهرة وضواحيها؛ بحثًا عن أمل فى علاج، وما سبقه وصاحَبه من فحوصاتٍ سنوات.
 
تلك الأم المصابة بمرض السكر بين عدد من الأمراض الأشد قسوة.. لم تجد تحت قدميها جنةً.. ولا أرضًا ثابتةً تحمل معها أوجاعها.. أرضًا تليق بآدمى.. وشوارع لا تحرمها الاستجابة لنداءات جسدها البائس.
 
دقائق بآلام سنوات.. مئات الأمتار بخطوات منهكة شبه عاجزة؛ أملًا فى الوصول إلى دورة مياه عمومية تجيب نداءاتها الفسيولوجية المكتومة حرجًا.. اضطرت السيدة الوقور أن تطرق مع ابنها بابًا مغلقًا لا تعلم من خلفه.. ظنوا للوهلة الأولى ـ لتقطّع حروفها المتوسلة ـ أنهما شحاذان.. ثم بدت عليهم علامات الارتياب - محقين - عندما استطاعت أن تجمع شتات نفسها لتسألهم السماح لها بزيارة سريعة.. وملحّة لدورة المياه.. دخلت السيدة، وغادرت وسط نظرات حذرة متفحصة لملابسها؛ خشية أن تكون قد خبأت بين طياتها ما خف حمله.. وثمنه أيضًا.
 
قفزت تلك المرارة الساكنة حلق الصديق الى مقدمة رأسى.. وتجسدت أمامى مأساة الأم - رحمها الله - حين تابعت على شاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى أصواتًا تطالب بتطبيق عقوبة "الفعل الفاضح" على كل من يلبى نداء جسده فى مكان عام.. ألحّ علىّ السؤال: أليس ما عانته تلك السيدة وغيرها الآلاف، بل الملايين ومازالوا يعانونه.. هو الفعل الفاضح بعينه؟!
 
أليس ما يقترفه موظفو المصالح الحكومية ومسئولوها فى حق مرتاديها، من إغلاق دورات المياه فى وجوههم وقصر استخدامها على أنفسهم.. فعلًا فاضحًا؟
 
ألا يعد اقتصار عدد دورات المياه العمومية في شوارع القاهرة - التى تجاوز قاطنوها العشرة ملايين - على 44 دورة مياه مفعّلة من أصل 175 - حسب تصريحات المتحدث الإعلامى لمحافظة القاهرة - بواقع دورة مياه واحدة تقريبًا لكل ربع مليون مواطن.. ناهيك عن باقى المحافظات والأقاليم.. ألا يعد ذلك فعلًا فاضحًا.. ومفضوحًا؟!
 
نحن طبعًا مع تجريم كل ما يسىء لشورعنا وينتهك حرمتها، ونعلم مدى التلوث البيئى والبصرى الذى يسببه ذلك الفعل.. وندين مقترفى تلك الحماقات، ونطالب بتطبيق عقوبات صارمة رادعة على أصحابها.. شريطة توافر البديل الآدمى فى وطن بلغ عدد المصابين من أبنائه بمرض السكر 7.5 مليون مواطن حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية عام 2015.. ذلك الرقم المخيف الذى تخطى الـ 11 مليونًا فى عام 2017، طبقًا لتصريح رئيس قسم الأمراض الباطنة والسكر والغدد الصماء بطب قصر العينى.. تلك الملايين التى قد تمثل لها دورة مياه بالية.. دورة حياة جديدة!!
 
لم يشغلنى ذلك الجدل القانونى الدائر بين من يؤكد أن ذلك الفعل يندرج تحت "الفعل الفاضح"، ومن يرى فى ذلك التكييف القانونى "كلام فارغ".. قدر ما شغلنى التساؤل عن أسباب عجز حكوماتنا المتعاقبة عن وضح حلول حقيقية لتلك المعاناة التى يعيشها الملايين فى شوارع القاهرة يوميًا!!!
 
الحلول كثيرة يا سادة، ولا تحتاج لعبقريات معجزة، كما لن تكلف خزينة الدولة فوق طاقتها، فمقابل بسيط لاستخدام دورات مياه عمومية لا يعيق المواطنين، سيغطى تكاليف الصيانة ورواتب العمال.. مع إمكانية إلزام كل مائة صاحب عقار مثلا بعمل دورة مياه عمومية واحدة، وهى مبالغ لو قسّمت على المائة ستكون ضئيلة للغاية نسبة إلى تكاليف العقار ذاته، وكذلك إمكانية إشراك القطاع الخاص، أو إسناد المهمة كاملة له، برقابة حكومية حقيقية.
 
مقترحات الحلول كثيرة، ويسيرة.. فقط.. هى إرادة التنفيذ.. والإيمان بحق المواطن فى "دورة حياة".
 
 
[email protected]
 
 





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader