الأحد 14 يناير 2018 - 04:01 مساءً

الحصان.. "قصة قصيرة"

محمود السانوسي عبادي

بقلم: محمود السانوسي عبادي

الحصان جرى ولا أحد يستطيع إيقافه، صاحبه مندهش ومنتظر، لا يكلم أحداً ولا يشير بيديه أو يزعق حتى يراه الحصان، فيقف ويرجع يعتذر، ينتظر أن يضع في فمه قوالب السكر ويربت بيده على رأسه ويمسح شعره ويفتح فمه ويشمه ويضحك وهو يشد أذنيه.

صاحبه بدر الدين، تاجر أعلاف وأدوية بيطرية، لم يصدر عن بدر الدين شيء إلا التفاتة بحسرة لا كلام فيها، ذلك الحصان العجوز مكافأة نهاية الخدمة، بعدما وجد رجل الأعمال سائس الخيول لا يريد شيئاً، بعد أن تجاوز سن الشباب وبلغ من العمر مبلغاً، أن يمنحه تلك الجائزة، مالها أي قيمة إلا الذبح، حصان عجوز بائس أصابته أمراض الكبر بعدما تقاسما سوياً الفوز في السباق وإدهاش العباد، وبعدما امتطى الأمير وحصانه.. الأميرة وفرستها، كان لا بد أن يأتي عليه الدور ليكون في عداد الأموات، ولأنه يحب مدربه أكثر من صاحبه، فلم يستسلم لتعليمات الموت، لم يصبه الملل والرضوخ إلى وجه اليأس، بل فتح الاثنان بابا للحياة، وقال الرجل الغني للرجل الفقير : "يبدو انك أصبحت عجوزاً وأصابك النسيان والعجز والخرف، أشار السيد الغني وفتح بإشارة من أصبعه الغليظ الأبيض حتى دبت خطوات سائس جديد يريد أن يثبت كفاءته في العمل، جلب الحصان وترك اللجام في المزرعة المترامية الأطراف، مد السائس العجوز يده وشد اللجام، وفوق ظهر الجواد أراد أن يلقي نظرة أخيرة إلى سيده، ففاجأه حصانه العجوز بالركض حتى تداخلت الأقدام والتحمت الرياح بأغصان الأشجار، حينما مر كقذيفة بين شجرتين.. وشجرتين.. وشجرتين، حتى انتهى الطريق وانفلتت حيرة الاثنين، وطار حتى أوقفه صاحبه عند بيته، فالتفت الحصان.. وانتظر الحصان، مد السائس كوز الشعير وأخرج من جيبه قوالب السكر ووضع جردل الماء تحت رأس الحصان، ولأن السائس العجوز اجتاز بحصانه حدود حبه لأهله وأصحابه وقربهُ قرباً لا ينبغي لأحد حتى أنه ينام بين أرجله الأربعة فلا يرفسه رفسة الحيوان؛ إن جاع أو عطش أو تقلب.

وما من شك أن الحيوان الصدوق شعر بالمودة واحترم المحبة؛ فكان لا يعلم إلا حاجته، ولا يؤدي إلا واجبه، ولا ينام إلا أن يرى وجهه مبتسماً، وسمع تحيته، وأحس بيده وهي تسري فوق ظهره وبطنه وتمنحه الرضا.

لذا – نظر الرجل مبعثراً.. لا يستطيع أن يفهم سبباً لهروبه من بين يديه، لفقده ولو لدقيقة واحدة، فهو رفيق.. كافح معه وانتصر على هزائم عدة، وكسب السلام والأمن والحنان، يركض هارباً!، يولي دبره!

وقال السائس متحيزاً لنظرته وظنونه، ربما بعد أن مل حياتي، حن إلى حياة الرجل الثري، ولكنه لا يعلم أن الرجل الغني أمرني بقتله وإطعامه لوحوش المزرعة، قلت لا – وكان رغم أنه يحدث نفسه، يرفع يديه كأنه يحدث أحداً، ونظر الناس إليه وعاتبوه على فك العقال وعاتبوه على ما قصر في رعايته، ربما....

هز رأسه رافضاً عتابهم وظلمهم، وقال لا...!

لم أخن صاحبي وجلس على حجر جرانيتي قديم يبكي، يضع على وجهه منديلاً قماشياً يهتز ويرتجف.

بعد مدة من جهد الناس.. وبعد أن حاولوا وتركوه إلى مشاغلهم أحس بأنفاس ملتهبة.. لمسته خيوط تتموج في رأسه، قال لا، كان الحصان واقفاً يصهل، يهز رأسه يميناً، يلوي عنقه يساراً، ذيله يلتف وعينه تتركز.

كنت أقول للحصان – لا تمت – قف – إنه صديقك المخلص – لا تدعه يفلت.

كنت أقول للرجل – أنت والدي أهملتني واكتفيت بحصانك عن أهلك.

كنت أقول لنفسي – كيف أدفن الحصان بعيداً عن والدي.


مصدر الخبر: جريدة الرأى للشعب ـ النسحة الورقية





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader