السبت 13 يناير 2018 - 01:52 مساءً

ونفسٍ وما سواها

محمود حبسة

بقلم: محمود حبسة

 
 
تذكرنى حكاية التقرير الذى نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية التى زعمت فيه أن ضابطا فى المخابرات المصرية يدعى أشرف الخولى طالب أربعة من مقدمى البرامج الحوارية فى مصر بالايحاء ضمنا بقبول فكرة رام الله عاصمة لدولة فلسطين وليس القدس بدعوى  تعزيز التوجه لحل سلمى وإنهاء معاناة الشعب الفلسطينى بعصابة "اللهو الخفى" فى مسرحية "العيال كبرت" للراحل سعيد صالح, نفس السيناريو تقريبا فلا يوجد فى المخابرات المصرية ضابطا اسمه أشرف الخولى كما أن مفيد فوزى ويسرا لايقدمان برامج حواريه والاثنان الآخران سعيد حساسين وعزمى مجاهد تأثيرهما سواء فى الوسط الاعلامى أو بين الجماهير لايستحق أن يتكبد جهاز ما فى الدولة عناء الاتصال بهما واقناعهما بأى شيئ، بأبسط الأدلة التقرير مزعوم ومفبرك خصوصا أن مصر هى من قادت المجتمع الدولى ىسواء داخل مجلس الأمن أو داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصدى لقرار ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل.
 
القصة مختلقة ولايمكن لعاقل أن يصدق مثل هذه الترهات والأكاذيب،الغريب أننا نجد من بين المصريين من يصدق مثل هذه الأكاذيب ويروج لها، المثير للاشمئزاز أننا نجد من بيننا من يقنع نفسه ويسعى لإقناع الأخرين بمثل هذه الادعاءات ويقول حدث بالفعل وكأننا أمام مسرحية ياطالع الشجرة للأديب الكبير الراحل توفيق الحكيم وكأن مسرح الامعقول الذى يخاطب العين والأذن ولايخاطب العقل تحول إلى مسرح معقول يخطاب العقل وكأن من يطلع الشجرة سيأتى فعلا ببقرة يتم حلبها، أن تنشر صحيفة النيورك تايمز مثل هذه الأكاذيب فهذا أمر طبيعى وقد يكون منطقى ومفهوم فى ظل سيطرة اللوبى اليهودى على وسائل الاعلام فى أمريكا وانحيازها المطلق لإسرائيل وأن يأتى توقيت نشر هذا التقرير فى هذا الوقت فهو أمر منطقى أيضا لتشويه موقف مصر بعد نجاحها المبهر فى معركة القدس وتصديها وافشالها لمخططات أمريكا وإسرائيل، غير المقبول وغير المنطقى أن يقتنع مصريون بمثل هذا الكلام الذى لايفسره إلا أنه نابع من نفس بشرية لايعلم بأسرارها سوى الله خالقها فأنه حتى اختلاف المواقف السياسية لايجيز مثل هذه المواقف الشاذة, فرغم تصدى مؤسسات الدولة لفرية وأكذوبة النيويورك تايمز من خلال وزارة الخارجية والهيئة العامة للاستعلامات بل ووصل الأمر إلى أن النائب العام المستشار نبيل صادق أحال الموضوع للنيابة العامة للتحقيق فيه بما يؤكد تبرئة الدولة ونفى أى شبهة لتورط أي من أجهزتها فى هذا الأمر مازال البعض يصر على تصديق هذه الأكذوبة والترويج لها سواء فى مواقع التواصل الاجتماعى أو غيرها، تحول مسرح الامعقول عند البعض إلى مسرح معقول, انتقل أسلوب ومنطق الامعقول من الأدب إلى السياسة وبنفس الطريقة وهى استخدام لغة تخاطب العين والأذن ولاتخاطب العقل ويبدو أنها كما نجحت فى الأدب نجحت أيضا فى السياسة وهو مادفع كما ذكرت فى مقال سابق الرئيس عبد الفتاح السيسى أن يقول "أنا لاأبيع لكم الوهم يامصريين".
 
من غير المعقول أن يتحول مصريون إلى أعداء لوطنهم إلى هذه الدرجة من غير المعقول أن يصبحوا بوقا لأعداء وطنهم إلى هذه الدرجة, هى النفس البشرية بكل تعقيداتها وتفاصيلها التى لايعلمها إلا الله, هى النفس البشرية التى يصل بها المرض والهوى إلى هذه الدرجة وكأن ما عرضته رواية "أرض النفاق" للأديب الراحل يوسف السباعى من أفكار وأحداث حقيقة وليست خيال وكأننا أمام عالم خيالى فى صورته واقعيا فى حقيقته, وللأسف بدل ما يتعاطى بعض المصريين حبوب الشجاعة والكرم والصدق تاعطوا حبوب النفاق والكذب والخيانة, بدل من تناول حبوب الفضيلة تناولوا حبوب الرذيلة, طباع الكثيرين منا لوثتها الدنيا وفى المقدمة حب السلطة, طباع شوهتها الأنانية والكبر وعشق الذات وتضخم الأنا فأرادوا منا أن نتناول حبوب النفاق لنجاريهم ونرضيهم ولكن هذا لن يكون .
 
ياأهل النفاق تلك هى أرضكم وذلك هو غرسكم.. مافعلت سوى أن طفت بها وعرضت على سبيل العينة بعضا منها ..فإن رأيتموه قبيحا مشوها فلا تلوموا إلا أنفسكم لوموا الأصل ولاتلوموا المرآة.. صدق يوسف السباعى فنحن أو بعضنا على الأقل لايبغى إلا أن يعيش فى أرض النفاق لايبغى أن يرى الجميل جميلا فهو لايرى إلا ما تراه نفسه، لايقبل البعض منا أن نواجههم بحقيقتهم وبعيوبهم أن نقول لهم ما تقولوه وماتدعوه كذبا وليس حقيقة، لايقبل البعض منا أن نطالبه بالتطور وأن ينشد الكمال والجمال أو أن يكون أكثر صدقا مع نفسه ومع الأخرين، لايرى البعض إلا ماتراه نفسه لايرى إلا كل ماهوه مشوه وناقص وغير مكتمل، بعض المصريين لأسباب سياسية ونفسية فى الغالب والأعم  لايرون الانجازات التى تحققت وينظرون إلى المشروعات التى يشهد بها الواقع على أنها سراب أو أنها بلا جدوى عديمة القيمة والمنفعة، قال تعالى: "إن النفس لأمارة بالسوء" صدق الحق سبحانه وتعالى فمعظم إن لم يكن كل ما نعانى منه هو من صنع أنفسنا، اللهم آتى نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم ارزقنا الصدق فى القول والعمل وفى السر والعلن واجعل نفوسنا آمنة مطمئنة بقضاء ربها راضية مرضية.       
 





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader