الثلاثاء 09 يناير 2018 - 01:29 مساءً

أقدار.. (قصة قصيرة)

رانيا نوار

بقلم: رانيا نوار

غريبة هى الحياة تُعطي للمكتفي، مالك وسائلها، أما نحن فلا ننال فتاتها إلا بالذل والمهانة وأحيانا الحيلة حتى يمكننا الاستمرارعلى هامشها.

هذا ما دار في خُلد (حياة) وهى تنظر لحارتها الفقيرة في حي أفقر.

فتاة لم تنل من اسمها إلا شقائها، تربت في بيت ينهي يومه بالنوم المبكر هربا من الإحساس بالجوع، وسط أسرة كبيرة العدد فهى الخامسة من تسعة أبناء، ومع ذلك كانت طموحة رسمت لنفسها مستقبلا تسعى لتحقيقه بدأته بالاصرار على استكمال دراستها مع كل الضغوط التي تعرضت لها لترك المدرسة مبكرا لتعمل وتنفق على نفسها.

وافقتهم الرأي على ضرورة البحث عن عمل لكن دون التأثير على وسيلتها الأساسية في تحقيق ما تتمنى، فتعرفت على الدنيا وطباع أهلها قبل الأوان وجدت من يشد من أزرها كما قابلت من أهان كفاحها وسخر من أحلامها.

كانت هى الأخرى تسخر ممن يريد تحطيمها فهى بالقوة التي لا يستطيع أحد كسرها، لا تُلقي بالا لما تسمع، ولا تهتم برؤيتهم الدونية لها، دائما ما تقول لنفسها: "سيأتي اليوم الذي سينزل فيه من العلياء كل مختال".

الراحة لم تعرف لها سبيلا عاما تلو عام وهى تفاجئ الجميع بتفوقها الدراسي بجانب تميزها في الرسم و تصميم الأزياء، أحبت الألوان وتابعت كل جديد في عالم الموضة ساعدها على ذلك عملها في أحد محلات الملابس الراقية بوسط البلد واختلاطها بأبناء الطبقة المادية الأعلى.

وصلت "حياة" لمفترق الطرق الثانوية العامة فإما أن تستكمل تفوقها أو تكتفي بنجاح غير مرضٍ لها، لذا قررت أن تتفرغ لمستقبلها.

غضب والدها فكيف له أن يوفر ما تحتاجه ابنته التي حملت عنه مسئولية نفسها لأعوام، و أمها رأت أن ما سيقطع من مال كانت تعطيه "حياة" لها مساعدة منها للبيت سيؤثر سلبا عليهم حتى إخواتها من باب الغيرة رفضوا القرار لم تجد من يعينها، كل يفكر في مكسبه منها ولا يسأل أحدهم عن حالها، لكنها تجاهلت كل أفعالهم معها و أصرت على ما حددته.

نُبذت من الجميع استكثروا عليها حلمها تهامسوا فيما بينهم: "ما هذا الغرور ألا تدرك من هى؟! و في أي بيئة نشأت؟! وما أهمية تلك الورقة التي تحلم بها مادامت ابنة هذا الحي المعدم المجهول؟!

حقا ابنة عاقة تحمل أبيها فوق طاقته بدلا من مساعدته، ولا تراعي هم أمها وعبء البيت المزدحم عليها".

أما جاراتها من الفتيات الصغار بمثل عمرها كن يفخرن بها وهناك من كانت تتمنى أن تكون في جرأتها وجسارتها بمواجهة الظروف القاسية، واحدة أتبعت سبيلها واتخذتها قدوتها وأخرى سقطت تحت أقدام الفقر ونال منها ما نال... وغيرهن كثيرات ما بين اتباع و انهزام.

مر العام وانتهت الامتحانات وجاء يوم المكافأة استيقظت مبكرا وارتدت سريعا ودون أن تتحدث مع أحد أسرعت لتنال مكافأتها المتوقعة.

أشهر تمر وها هى "حياة" طالبة بالفنون الجميلة قسم الديكور بتفوقها المعهود، لكن النظرة الدونية من البعض أخذت تنهش في قلبها الندي.. لماذا وأنا هنا باجتهادي أيجب أن أكون ابنة أحدهم حتى تُحترم مشاعري؟!

تابعها من بعيد أ.مجدي المعيد بالكلية أعجب بإلتزامها ورقي أخلاقها وفي صمت راقبها.. دائما يراها وحيدة وقلما وجدها تتحدث مع أحد، لاحظ نظرات زملائها الساخرة حينا والحاقدة عليها حينا.. نعم حاقدة من تقدمها عليهم بالدراسة وهى الأقل منهم طبقيا.

تمر الأيام وفي السنة الثالثة يكن له موعدا معها من خلال قاعات المحاضرات، يوما بعد يوم صارت أكثر تميزا مما قبل لديه، كانا يلتقيان داخل الجامعة وخارجها، يتناقشان في مستقبلها الذي عاهدها على تحقيقه معها.

وقبل الامتحانات كانت منه هدية تشجيعا لها فقد أخذ بعض تصاميمها وعرضها على أحد المكاتب الهندسية الكبيرة فأعجبوا برؤيتها وتبنوا مهندسة المستقبل وتنفيذ افكارها تحت إشراف منها.

ما أن سمعت  "حياة" ما قاله "مجدي" حتى ارتمت في أحضانه دون وعي منها وقبلته، صارت تقفز بين يديه مرددة: أحبك، أنت رائع.. رائع.. أحبك كثيرا.

دق قلبه سعيدا يبادلها فرحتها، و مشاعرها، فهو أيضا يحبها ولم يعد هناك ما يجعله يخبئ هذا النبض الساري في كل جسده.

المعيدة "حياة" التي كانت يُنظر إليها باحتقار أصبحت الآن مسار فخر وإعجاب وقدوة لكثير ممن مروا بظروفها، تعيش مع سندها الذي آمن بها وأحبها صدقا "مجدي" زوجها شريك الحياة و الحب .

أفاقت "حياة" على صوت أمها: علام تنظرين؟ ألا تساعدينني قليلا؟

نظرت "حياة" حولها فأيقنت بأنها كانت في حلم جميل!

ابتسمت من داخلها، ثم اطلقت ضحكة مجنونة دوت في ذلك الشارع المظلم وهى تقول: "لعل ما رأيته قدري القادم، أو رؤية تدعوني للسعي حتى أغير الأقدار!!".






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader