الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 12:02 مساءً

شادية.. ذات الألف وجه

أميرة أبوشهبة

بقلم: أميرة أبوشهبة ـ باحثة فى الفلسفة والفكر الدينى

ذات الالف وجه، لم يكن مجازاً لفنانة لطالما شكلت طلتها نموذج الموضة طوال نجوميتها الممتدة لاكثر من خمسين عام سينما وغناء.. ذاك اللقب لم يكن متعلقا فقط بتجددها الدائم والمختلف فى الشكل لكل شخصية تلعبها، وانما تخطاه للجوهر ايضاً، فشادية كانت لديها المقدرة الحقيقية على التلون فى الاداء بإيجاد فروق كاملة بين شخصياتها الفنية لدرجة لامثيل لها الاّ عند ممثلة من عيار سعاد حسني فحسب.

تلك المقدرة التى جعلت المطربة الجميلة فتاة احلام اواخر الاربعينات وبدايات الخمسينات تتحول لمشخصاتية من العيار الثقيل فى افلامها الخالدة فى مرحلة النضج المبكر لموهبتها باواخر الخمسينات والستينات.. لتشكل من خلال ذلك التنوع الرهيب فى نوعيات الشخصيات حالة استثنائية لممثلة استطاعت ان تجمع بين جمال الشكل وقوة الموهبة وذكاء الاختيار والتفانى فى التشخيص ونجومية الشباك وخفة الظل ومكانة مرموقة فى مجال الطرب..

لعل النقطة المفصلية لتحول شادية لتلك الممثلة القديرة بعد عشرات الافلام الخفيفة والكوميدية الاستعراضية التى سدت بها السينما ثغرة غياب ليلي مراد، هى اداؤها المذهل لدورها فى فيلم المرأة الجهولة، فلقد استطاعت الممثلة ذات الثلاثين عاما فقط، ان تجسد معاناة امرأة فى الستين تأتى للانتقام من ماض ظالم وتقنعنا بانها ام لشكري سرحان الذي كان يكبرها فى الحقيقة..

منذ تلك الانطلاقة الجديدة لم يعد يُنظر لشادية على كونها المغنية ذات الجسد الجميل فحسب بل على كونها ممثلة حقيقية تنافس فاتن على شباك التذاكر ولا يخشي المخرجون الكبار من اسناد ادوار تمثيلية قوية لها.. وبالفعل اكملت شادية البناء بادائها الملحمى لأهم ماجُسد من روايات نجيب محفوظ على الشاشة فكانت النقطة الاقوى فى فيلم الطريق وتحولت لبطلة "زقاق المدق" دون اي ادعاء وفاجأت الجميع بدور نور غانية رواية اللص والكلاب وكانت هي الفلاحة المتمدينة الساذجة فى فيلم ميرامار، وانطلقت لاختيارات بين اهم روايات الكتاب المعاصرين، لتقدم ايقونات سينمائية خلدت مسيرتها التمثيلية فى ابهي حُلة، حتى وصلت لمكانتها اللائقة فى عالم السينما بين نحن لانزرع الشوك، وشيء من الخوف  اللذين كانا قمة سنام مجد موهبتها التمثيلية.. ولم تتناس فى خضم مشوارها السينمائي الزاخر بحب التمثيل الحقيقي لادوار مهمة وروايات عظيمة.. انها نجمة شباك ومطربة فى الاساس فكانت افلامها الكوميدية والغنائية تتماشي جنباً الى جنب مع ادوارها الثقيلة، فجسدت بعض انجح افلام مصر عبر تاريخها الزوجة ١3، وافلامها مع صلاح ذو الفقار وعبدالحليم وفريد، واحمد مظهر ورشدى اباظة فى الستينات والسبعينات.. فجمعت بين الاختيارت الفنية الثقيلة لافلام جريئة وبين الافلام التجارية ذات الجودة الفنية بذكاء قل نظيره.

بالطبع تاريخها الفني الطويل لايمكن اختزاله فى مقال.. لكن يكفي ان نقول إنها لم تعوض فى تاريخ السينما العربية حتى الان ..

اما عن الغناء فقد وصفها بليغ حمدى بـ "صوت مصر" ولايخفي على احد ثنائية شادية وبليغ فى اخلد الاغنيات الوطنية والاغنيات الشعبية الطربية العظيمة بين ياحبيبتى يامصر وخلاص مسافر وقولو لعين الشمس ماتحماشي واه يا اسمراني اللون واكثر من مائة اغنية وطنية ومئات الاغاني العاطفية والدرامية شكلت رصيدا متفردا بالمكتبة الموسيقية الغنائية علي يد ملحنين عظماء من امثال منير مراد ومحمد عبد الوهاب والموجي وبليغ ومحمود الشريف..

 شادية المطربة التى شكلت حالة غنائية متفردة فى عصر الاغنية الكلاسيكية فكانت المطربة الوحيدة التى لم تخرج من عبائة ام كلثوم.. شادية ذات الصوت المبهج الانثوي الشجي مثلت بصوتها الاغنية الشعبية والشبابية المصرية لعصرها كما يكون النموذج المثالي للغناء الدرامي والاستعراضي بافلامها الخالدة وبعيداً عن كونها احد اضلاع مثلث العصر الذهبي لنجمات السينما المصرية مع فاتن وسعاد.. تفوقت عليهما بالانتاج الموسيقي الذى وصل لمئات الاغنيات المنوعة لاهم ملحني وشعراء مصر..

ولعل اهم مايميز شادية هو قدرتها على مسايرة تقلبات الزمن فى نفس العطاء والنجومية والحماس الفني حتى اعتزالها وهي علي قمة الاداء السينمائي بفيلم لاتسألوني من انا ومسرحية ريا وسكينة فى احدى اهم المسرحيات الكوميدية الخالدة.. وحتى اتي اعتزالها بعد فقد اخيها الذي ربته ومرضها بكانسر الثدي، فكان اعتزال بنكهة الزهد فى الدنيا دون مساس بتاريخها الفني او متاجرة بنمط تدينها الجديد الذى ارادته ختاماً لمشوارها.. فاستحقت احتراما فوق احترام وحبا لن ينتهي برحيل عن عالم الفن او عن عالم الدنيا.






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader