الجمعة 29 ديسمبر 2017 - 11:54 صباحاً

فلسفة الدين فى أدب نجيب محفوظ

أميرة ابو شهبة

بقلم: أميرة أبوشهبة ـ باحثة فى الفلسفة والفكر الدينى

لم يحفل اديب مصري بمستوى الاحتفاء والدراسات التي حظي بها أدب الاديب العالمي نجيب محفوظ، لكن ظل الجزء الفلسفي فى ادب نجيب محفوظ يحتاج لقدر اكبر من الدراسة والتحليل، خصوصاً حول تناول ادب نجيب للدين وللالوهية وللمصير الانساني، ولدور الدين فى حياة ابطاله سلباً وايجاباً، وسنجد التصوف حاضراً بقوة فى فى خلفية بعض رواياته، والتأريخ لنمط التدين المصري الشعبوي فى اوضح صوره بالحرافيش والثلاثية وحتى فى ثنايا بعض الجمل بروايات "اللص والكلاب" و"السمان والخريف" و"كفاح طيبة"، لكن هناك نوعا اعمق من الطرح الفلسفي لفكرة الدين والالوهية فى ادب نجيب محفوظ تركز فى شخوص ابطاله وصراعاتهم وفى حياة البشر ومصير الدنيا بالاعم.. بروايات محددة الهدف نحو ذلك.. مثل الطريق وقصة زعبلاوى والشحاذ.

ولعل نجيب محفوظ بلغ ذروة التفلسف الديني فى روايته الحدث "اولاد حاراتنا" وتلك الرواية سنناقش مضمونها بوقفة خاصة، لكن القاريء الجيد لأدب محفوظ سيجد كثيرا من روايته طرحت الحديث عن الالوهية بشكل رمزي او بتضمين مفعم بالدلالة على افكار غاية فى الجرأة بالنسبة لكاتب لطالما اتسم بالمسالمة والوداعة وعدم الانحياز للصراعات فى تصريحاته الشخصية، بل ظل الجانب الفكري الشخصي منه معتما او مسطحا لاينبيء عن حقيقة الاديب الكبير، الذى جعل فكره وصراعاته تحسم فقط فى رواياته.. فمن اراد ان يري  نجيب محفوظ  الحقيقي عليه الا يحفل كثيراً بتصريحاته المتلفزة او حتى مقالاته، فالرجل كان فى غاية اللطف وحرص الا يعرض نفسه لمعارك خارج أدبه، لكنه فى الاخير لم يسلم من دفع الثمن!

اذاً علينا ان نعرف نجيب محفوظ فى الاجتماع والسياسة والفكر والدين من خلال انتاجه الادبي فقط.. وهذا المقال سنخصصه لاحد تلك الجوانب الثرية فى فيلسوف الادب العربي ومؤرخ الرواية المصرية "نجيب محفوظ".. وبحثنا عن الله والدين بين ثنايا رواياته نبدأ فيه ( باولاد حارتنا).. تلك الرواية التى  شكلت نقلة نوعية حقيقية للادب العربي، على الرغم من خوف نجيب محفوظ البادى بين سطور روايته وعلى الرغم من طغيان التاريخ الدينى الرسمى على رؤية الرواية، الاّ انها اخذت الرواية العربية لمستوى آخر من الفكر التجريدى فى فلسفة الدين وتاريخه، وتصادمت مع اكثر تابوهات المجتمع المصري قداسة.. الدين.. تجسيد فكرة الالوهية ونشأة الخلق وصراع ادم وابليس، وقصص الانبياء ومظلومية البشر، والصراع الازلي بين الخير والشر ومصير الحياة الانسانية والهدف منها، والتساؤل الصريح حول جدوي كل ذلك الصراع الانساني فى دنيا ماتت فيها الحقائق وضاع فيها هدف الانسان من خلقه، وعالم لطالما انتصر فيه الشر وحكم وسيطر دون ابداء اي غضب من الخالق لتلك الحكاية!

هكذا رمز لله بالجبلاوى وللدنيا بحارة مصرية وللانبياء الكبار بأسماء قريبة منهم لتبدأ قصة الخلق على نحو مستوى قريب من فهمنا المعاصر لصراعتنا الذاتية وكانت انطلاقة جبارة نحو طرح فلسفة القدر فى نشأة كل هذا، ومن يوم ان طرد أدهم من البيت الكبير بيت ابيه الجبلاوي، بدأ شقاء الانسان الابدي حتي نسي ماكان فيه من نعيم ونسى اجيال معني ذلك الصراع ونهايته الحقيقية!

اين انت ياجبلاوى.. كانت صرخة نجيب محفوظ المتكررة فى اولاد حارتنا عند تعقد مشهد الصراع الانساني وطغيان الشرور على "الحارة الارض"، وعلى الرغم من محاولته المضنية للالتزام بالتاريخ الديني المصدق عن كل الاديان السماوية، وعلى الرغم من انهزام ذلك الجبلاوي امام تفسير العلم لنجاة الحارة بيد ابنائها لابيد فتواتها التاريخيين! الاّ ان رؤية نجيب محفوظ اقتضت التوفيق بين رضا الجبلاوي عن تلك النتيجة كتفسير حقيقي لمراده من ابنائه بأن يستخدموا ارداتهم وعقولهم وعلمهم لنصرة الخير دون حسم منه.

اما القصة القصيرة "زعبلاوى" فاشتباك نجيب محفوظ مع وجود الله والبحث عنه امر اوضح من اي رمز آخر، فتحكي الرواية عن بطل يحاول ان يجد الشيخ الزعبلاوي طوال رحلته ليتأكد من انه على حق فى رمزية جلية عن البحث عن الله فى رحلة بشرية تتأرجح بين الشك واليقين.. يختتمها بقول البطل "حسبي انني تأكدت من وجود زعبلاوي، بل ومن عطفه عليّ مما يبشر باستعداده لمداواتي إذا تم اللقاء"!

وننتقل لرواية اخري فى فلسفة الدين داخل أدب نجيب محفوظ، وهي رواية "الطريق" فقد كانت ابلغ وسيلة للتعبير عن دور الدين "السلبي" فى تواكل البطل طوال طريقه، ببحثه الدائم عن ابيه ليحل له مشكلات حياته وبطالته وكوارث تخاذله ورعونته، حتى تنتهي حياته متورطاً فى جرائم لن يفلت من واقعها بأحلامه فى انقاذ اعجازي لمصيره الفاشل، من والده "المختفي"!

تطرقت الرواية لذلك الصراع الاجتماعي الذي حول الدين لافيون حقيقي للشعب المصري، وحول الله لمنقذ حاسم لواقع فاشل مزري متخاذل يأبي اصحابه ان يغيروه..

وفي نقد الرواية يوضح لنا المفكر السوري الكبير جورج طرابيشي، اراء نجيب محفوظ فى رمزية الرواية عندما يقول.. "والحق ان رواية الطريق قابلة كلها لأن تُفسر على مستويين: المستوى المباشر الواقعي، والمستوي اللامباشر، الرمزي، وعلى المستوى الاول لاتعدو أن تكون قصة بحث عن أب، ولكنها على المستوي الثاني قصة بحث عن الأب، اي "الله".

اما الرواية الاعظم فى ذلك السياق لفلسفة الدين فى ادب نجيب محفوظ فتمثلت فى روايته "الشحاذ".

وكما يقول طرابيشي "وهنا بالتحديد يبرز وجه نجيب محفوظ على أنه أكثر الروائيين العرب تقدمية فى تناوله لمشكلة الله من وجهة نظر فنان يؤمن بالله"!

ففي روايته الشحاذ يسوق لنا أديبنا العالمي تجربة دينية عميقة تدخل فى اعقد صراع داخل النفس الإنسانية بحثاً عن المعنى من الوجود والسعادة الحقيقية ودور الله كهدف لكل ذلك العبث المعاش فى قصة البطل "عمر" ، ويلخص مشواره الشاق فى البحث عن الله بقوله "لعل سر شقائي أنني ابحث عن معادلة بلا تأهيل علمي".

ولأنه لايوجد وحي فى عصرنا فلم يبقَ لأمثالك الاّ التسول!

وسأترك القاريء مع مقطع من الرواية فى حوار بين النظرة الدينية المتصوفة وبين الرؤية الواقعية العلمية، بحوار نجيب محفوظ /الشحاذ ..على لسان ابطاله عمر وعثمان!

يقول عثمان خليل: عندما نعي مسئوليتنا حيال الملايين فإننا لا نجد معني للبحث عن معني ذواتنا!

ويقول ايضا ً"القلب مضخة تعمل بواسطة الشرايين والأوردة، ومن الخرافة أن نتصوره وسيلة للحقيقة... أنت تتطلع الي نشوة، وربما مايسمي بالحقيقة المطلقة، ولكنك لاتملك وسيلة ناجعة للبحث فتلوذ بالقلب كصخرة نجاة أخيرة، ولكنه مجرد صخرة، وسوف تتقهقر بك الى ماوراء التاريخ، وبذلك يضيع عمرك هدراً. حتي عمري الذى ضاع وراء الأسوار لم يضع هدراً، ولكن عمرك أنت سيضيع هدراً.. (اي فى بحثه الديني عن الله دون جدوي).. ولن تبلغ اي حقيقة جديرة بهذا الاسم إلا بالعقل والعلم والعمل".

ولكن عمر يصر على بحثه لآخر الطريق لأنه يدرك نشوة اليقين الذي يفتقده فى حياته.

ولو تطرقنا لرؤية الفكر الديني بمقتطفات على لسان ابطال رواياته لأدركنا كثيرا من ذلك الفكر الديني لنجيب محفوظ، الذى تخطت فلسفته حول مسألة الوجود الالهي ودور الدين فى المجتمع لأعلي سقف توصل له مبدع عربي، ظل محتفظاً بمكانته الفكرية والأدبية الفنية كصنعة أدب وكتأريخ اجتماعي وكفلسفة فكرية ودينية وكصراع سياسي داخل سياج رواياته وبمحاكمة يخضع لها فقط صراع ابطاله، ليظل هو بمنأي عن ذلك التصريح فى حياته الطبيعية وليفهم كل متذوق لأدبه وفنه مايفهمه دون تورط لشخصه، ولكن مع كل تلك الخيطة كاد ان يدفع حياته ثمناً لرواية اولاد حاراتنا.. ولعل ذلك يؤكد لجيلنا بأن عدم المواجهة وتفادي تكسير التابوهات الخرفة الجاهلة لن يحمينا من المتعصبين والمتشددين مهما حاولنا ان نسالمهم!

_ اخيراً يمكننا ان نختصر رؤية فلسفة الدين فى أدب محفوظ بين جملته برواية السمان والخريف "الحق أن البشر فى حاجة الى جرعات من التصوف، وبغير ذلك لاتصفو الحياة".

وقوله فى حارة العشاق على لسان بطله عبدالله "الحق أني عانيت تجربة جديدة كل الجدة وهي الشك!"

وختاماً ما رد به الدين الرسمي متمثلا فى الشيخ مروان فى نفس الرواية "لا تنسَ أن الإيمان بالله هو الملاذ الأخير من جميع الأحزان".

لكن كل ذلك كان دوماً يتعارض مع فلسفة عقلانية أديبنا وهو يصرخ فى خضم الصراع الانساني الممتد منذ نشأة الخلق وسقطة أدهم /آدم وغضب الجبلاوي علي ذريته.. ففي كل لا معني لواقع سيطرة الشرور.. كان البحث الدائم عن المعني والهدف.. وعن دور يأتي من البيت الكبير.. وهو ينادي فى اولاد حارتنا: "أين انت ياجبلاوي؟!"






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader