الخميس 28 ديسمبر 2017 - 07:08 مساءً

"الصابرة".. قصة قصيرة

رانيا نوار

رانيـا نــوار

أهلكته الحياة منذ أن خرج إليها يقاومها بجسارة محارب مقدام ساندته في قهرها من كانت سببا في منحه الحياة، لم يُقطع الحبل بينهما فالرباط مازال في اشتداد، تُغذي روحه قوة فالأهوال أمامه مجرد رياح عابرة، فهى الصابرة في ظهره معاونة له على الدوام.

الست "أم فتحي" كانت دائما عونا لابنها الذي خُلق بإعاقة والتي كانت سببا في كره ابيه له وتركهما؛ ليواجها وحدهما عثرات الحياة ومصائبها، لم تضعف بل أصرت على أن تعبر بولدها لبر الأمان، جربت أكثر من عمل لكنها وجدت نفسها مطمعا لكل من يعرف قصتها.

جلست تبكي حظها وكيف لها أن تكمل حياتها، لماذا لا يتركونني أرتزق من فضل الله دون أن أُهان؟

ارتمى "فتحي" في حضنها ببراءته النقية، وبكفه الصغير وأصابعه الرقيقة أخذ يمسح زغات دموعها، و يقبل جبينها، فسكنت في حضن الصغير وهدأت، داعبته وهى تضمه و تقبله، وتقول: لو بيدي لبدلت حالك و أخذت عنك ما أنت فيه ابن قلبي، سأفعل كل ما بوسعي لأجعلك سعيدا.

و لأن الله كريم لا ينسى خلقه أرسل لأم فتحي من تفتح لها باب الخير فها هى "فايزة" صديقة العمر تعود بعد عدة سنوات من السفر وأول ما تفعله زيارة لحبيبتها، توأم الروح "أم فتحي" فكانت دموع السعادة والشوق هو حرارة السلام بينهما، وبعد حوار طويل بينهما حكت فيه كل منهما ما وصلت إليه، وعرفت "فايزة" ما مرت به صديقتها عرضت عليها أن تمولها بالمال وتشاركها في عمل تحبه و تجيده.

حاولت "أم فتحي" الاعتذار بعزة نفس إلا أن "فايزة" لم تقبل منها أي مبرر، واتفقت معها على الخطوات، بدأتا المشروع فقد كانت تجيد صنع الحلويات بكل أنواعها، قامت بعمل بعض الأصناف وتوزيعها على الجيران كدعاية لها، ومرت أشهر والطلبات على صنع يديها في ازدياد.

نهارا تذهب بابنها لمدرسته وتشد على يديه بألا يهمل دراسته فعليه بالتفوق، وليلا تقوم بتحضير الطلبات لزبائنها و"فايزة" تقوم بتوصيلها بسيارتها وما بين النهار والليل تهتم ببيتها وابنها ومساعدته في المذاكرة قدر ما تعلم.

عاما وآخر والحال في تحسن والابن يتباهي بتعب أمه الصابرة من أجله على حمل الزمان، كلما اشتدت عليه الحياة بعثراتها يسرع بالاحتماء بين يديها يستقوي بها، وإذا ذكر أحد زملائه أمه باستهزاء من عملها كان رده حاضرا بم يخرس ألسنتهم خجلا من فعلهم، مما جعله يقسم على ألا يضيع فعل أمه و مجهودها، لم يحاول أن يحملها فوق طاقتها و لم يقضِ وقته في فراغ.

جاء يوم تكريمه بالسنة الأخيرة له بالمدرسة طٌلب منه أن يٌلقي كلمة، أدام النظر على وجه القمر المبدد لظلام حياته فترقرقت في عينيه دمعة فخر ومحبة:

" بداية كل الشكر لكل من ساعدني و لو بكلمة؛ ليدفعني خطوة للأمام ، لكن لكِ أنتِ (وأشار إلى أمه) فماذا أقول؟ أهناك حروفا تفي؛ لتكون كلمة شكر لم فعلتيه من أجلي؟! أتوجد جملة يمكن أن تعبر عن مدى حبي؟! قليل عليكِ حتى نبض قلبي الناطق باسمك. 

انظروا هناك لتلكَ السيدة العظيمة الجالسة بينكم والتي لم تحملني في رحمها لا بل حملتني في أوردتها، منحتني راحتها و شبابها، أبت أن تضيعني برغم ثقل حملي لما أنا فيه من عجز، وسارت بي طريقا طويلا؛ لأصل لهذا اليوم وأقف في هذا المكان..

أمي أنا...

هنا وقفت الكلمات في حلقه خانتهما الدموع، فصعدت مسرعة إلى صغيرها المصاحب لكرسه المتحرك تقبل جبينه فينحني يقبل يديها، وكل الحضور ما بين بكاء و دعاء.

 






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader