الاثنين 30 أكتوبر 2017 - 07:47 صباحاً

السراب الأمريكي

علاء لطفي

بقلم: علاء لطفي

الديباجة الأولية لخرائط التقسيم الأمريكية للدولة القومية العربية كانت تتحدث بالأساس في نسختها الأصلية بـ "خريطة الدم" المنشورة بدورية الجيش الأمريكي عام 2006 ، عن حلم الدولة الكردية ، وكيف أنه التزام واجب التحقيق والنفاذ ولو اقتضى الأمر أن تسيل الدماء أنهاراً.. ومن هنا جاءت التسمية.

ومنذ أسابيع ومع اجتياح الجيش العراقي والحشد الشعبي للمناطق الكردية لبسط النفوذ والسيطرة ، بدا التنظير الأمريكي أمام انتقال نهائي وأخير للسقوط والانحدار. . فالخطة بأكملها فشلت منذ اندلاع شرارتها الأولى من تونس ، مرورًا بمصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق.

التاريخ الحقيقي لرحلة السقوط المدوى لـ"خريطة الدم" يبدأ من 30 يونيو .. وتحديداً في لحظة خروج الملايين من شعب مصر الى الطرقات والميادين تلبية لنداء الصدق من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

نجاة القاهرة والعراق وليبيا وسوريا وغيرها من العواصم العربية ، التى لم تتكشف حتى الآن أسماؤها أو مخططات الايقاع بها ، يرجع الفضل فيه الى أمة واحدة التفت حول قلب رجل واحد .. تلك خلاصة المشهد الذى تسعى للنيل منه ضمائر خربة متربصة بشهداء أبناء الأمة ، في سيناء والواحات وفي كل بقعة طاهرة من أرض مصر.

ولو لم يكن بالأمر مخطط أسود يصارع للبقاء والتوغل والانتشار ، ما كنا حتى الآن نسدد الثمن كاملاً من أرواح شباب الأمة وخيرة رجالها.

حقيقة الأمر أن الصخرة التى تتحطم عليها موجات الاستعمار منذ فجر التاريخ وحتى الآن والى أن تقوم الساعة هى مصر .. موجات لانهائية من العدوان والعداء الصريح والخفي ظلت تتناوب الهجوم من عقد الى آخر وصولا الى رياح عطنة تسترت خلف لافتات الثورة.

ومن لم يجيد قراءة المشهد في بدايته الأولى من تونس فعليه أن يراجعه في لحظات الاحتضار الأخيرة في كركوك .. والتى شهدت تغيرات فجائية في التحالفات.

واشنطن التى كانت تطبع خرائط الدولة الكردية الجديدة وتجهز التفاصيل الدقيقة لبعثتها الدبلوماسية ، وتقدر زمن القضاء على "داعش" بثلاثين عاما ، باتت تستجدى الوساطة في الملف الكردى لإخراج عملائها سالمين.

أوروبا نفسها وقفت تعارض اقامة دولة كردية، سواء في شمالي العراق او غيره، وما تستدعيه هذه الخطوة من مشاكل جديدة في الشرق الاوسط، واعتبرت ان هذا المحاولة تمثل هروبا اميركيا الى الامام ، بدلا من حل مشاكل المنطقة، ومحاولة غير واقعية لإعادة تشكيل توازن القوى بما يضمن، تفوقا اسرائيليا وحضورا اميركيا اقوى ، وإعادة رسم خارطة المنطقة من جديد خلافا لرغبة دولها المؤثرة.

ادارة الصراع مع قوى عظمى شرسة تتحقق فقط بامتلاك أوراق للضغط فيد أكثر من لاعب اقليمي .. لكنها تبدأ وتنتهى من نقطة ارتكاز وحيدة تجيد القراءة والاشتباك وهى مصر .. ما يعني أن الهجوم سيستمر ويتواصل ويزداد شراسة واجرام وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة .. وصفقات السلاح الفرنسية والروسية في مختلف العواصم بالشرق الأوسط تعنى بكل وضوح انهاء الاحتكار الأمريكي لسوق السلاح بالمنطقة وبناء تحالفات مع قوى أكثر تأثيرا لارتباط مصالحها مباشرة مع دول المنطقة .. كما أنها تعني  ـ كما في حالة تركيا وصفقة الصواريخ الروسية ـ بشكل ضمني، خروج تركيا من الناتو ، وفي حالة السعودية اختراق تاريخي لثوابت استراتيجية .

بالتأكيد ان اميركا لا تستطيع ان تقف بوجه كل هذا السيل المتمادي من الرفض العراقي والاقليمي والدولي، ولا تستطيع ايضا، ان تقف بوجه التعاون العسكري بين موسكو وعواصم المنطقة ، لانه بالنسبة لهما مسالة دفاع عن وجود، وان بقاء حلف الناتو افضل من انتحاره في اربيل، فوق سراب الدولة الكردية!






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader