السبت 30 سبتمبر 2017 - 01:32 مساءً

"حين يحب الموتى".. قصة قصيرة لـ إسراء عماد

إسراء عماد

سقاهمْ من ما لم يسقِهْ لأحدٍ من قبل، وربما سقاهم ما لم يسقِ أحدًا مرتينٍ. هنا كانوا مقسمين إلى جزءين ولا تستطيع أن تفرِّقَ جزءًا منهما عن الآخر. أحياء/ أموات، فقط كل منهما كان يقدس نفسَهُ. في زمنهم الآخر كانو يعلمون أن الموت يأتى بعد نوبةِ حياةٍ صغيرةٍ، نطفةً فعلقةً، شيئًا فشيئًا، حياة فموت طفلٌ صغيرٌ يكبرُ فيعرفُ فيموتُ عارفًا، يموتُ جهلًا لكنَّهُ في النهايةِ يظلُّ راسخًا حول الأرضِ كشجرةٍ تمُدُّ جذورَها حيثُ لا تعلمُ وترفعُ فروعَها للمنتهى مثبتةً وكأنَّها لا يقتلها يومًا الانفصالُ. وتمدُّ الساقَ فتنفصلُ الفروعَ عن الجذورِ، فينتهي كلُّ شيءٍ كأنه لم يكن. أما الآن فقد قسَّموا أنفسَهم إلى حزبين، كشجرة مدَّت جذورَها في العدمِ، وكل منهم يقدِّسُ نفسَهُ عن الآخر. الموتى والاحياء يعتقدون أنهم خُلِقوا هكذا أيضًا، كل منهم اعتقد أن أنفاسَهُ لا تصعدُ إلى العدمِ أبدًا، إلا فردًا واحدًا، كان يلتزمُ التوازنَ بين الصفيِّنِ، كان لائقَ الهيئةِ كالأحياءِ وروحُهُ شائخةٌ كالأمواتِ. أشيبُ الشعرِ كسحاب، مجعدُ الوجهِ كأرضِ، عيناهُ مظلمتان كمحاقٍ، يداهُ جامدتانِ كحجرٍ؛ يلوِّحُ بها في مقدمةِ الصفوفِ، يناديهم جميعًا، يريدُ أن يوقظَ الأحياءَ قبلَ الأمواتِ مرةً أخرى. ينطقُ بكلماتٍ ربما لا يفهمها سكان هذا الوطن، ويرتِّلُ أسئلتَهُ صارخًا في وجوههم. يقولُ لأحدِهِمْ: هل أنت كما أنت، أم لوَّثَكَ نهرُ دماءِ القاهرةِ فأصبحتَ كالموتى؟ الموتى لا يعلمونَ شيئًا، ولا يعيشونَ في الوقتِ، ربما لا يحزنون أبدًا وكذلك قد لا يفرحونَ، وأنت كذلك. لوَّثك متسعُ النهرِ فصبَّ دماءَ جرحِهِ في عينيك كليلٍ يَصُبُّ عتمتَهُ في النهارِ، ويشقُّ الحزنَ بداخِلِهِ فيحييه من جديدٍ. ألم يقُلْ لكَ ميتٌ أنه يكرهُكَ كثيرًا ولم تنطق؟ أظنُّ أنهُ لا يفعلُ، فلا تنتظر من نفسِ الجسدِ العفِنِ أن يقولَ "أُحِبُّكَ"، فالموتى لا يتشعرونَ بالحبِّ أو الكرهِ، يعيشونَ بلا روحٍ يعيشونَ بلا حياةٍ. فاستوقفه الرجلُ، وأنا لا أعلمُ إن كان من صفوفِ الموتى أم الأحياءِ، فكلٌّ منهم كان يشبهُ الآخرَ، جميعهم كانوا يمتلكون نفس الملامح المظلمةِ كليلٍ التهم نجومَهُ وأقمارَهُ والسحبَ، لتصبحَ السماءُ سوداءَ قاحلةً. فهكذا الأمواتُ/ الأحياءُ، والرجلُ كان بينهم ينطقُ ويقولُ له الأمواتُ "يا عزيزى" تجذبهم الأشياءُ فيعيشونَ من أجلها مرةً؛ ويموتونَ من أجلِها آلافَ المراتِ.

- ألم يكنِ الأحياءُ أمواتًا أكثرمن الأمواتِ ذاتهمْ؟ انطق إن كنتَ تريدُ أن أصدقَ أن هناك فارقًا بينهما. انزعج من معارضته وبدأ يلوِّحُ بين الصفوفِ كطفلٍ صغيرٍ يستكشفُ أنفاسَهُ؛ يستكشفُ بَصَرَهُ ويبكي، ويستكشف صوتَهُ ويصرخُ، ويستكشفُ يديهِ من جديدٍ فيضربُ بهما الأرضَ ويصرخُ.

- هل أنت كما أنت؟

كان يصرخُ فيهم وكأنَّهُ يصرخُ في نفسِهِ، كأنه لا يعلمُ ولا يستطيعُ التفرقةَ بينهم. أيقظهم جميعًا بأسئلتِهِ المستفزةِ لترابِ الموتى، وطعنَ الأحياءَ فلم تكن إفاقَتُهُمْ من أجلِ إثباتِ الذاتِ، ولكنِ لأشياءٍ لا يعلمُهَا إلا غرورُ الموتى فقط. مغرورونَ جدًا، يعدونَكَ في كلِّ حلمٍ أنهُمْ سيعانقونَكَ في الحلمِ الآخرِ؛ فتظلُّ تنتظرُ تحقيقَ وعدهم وهمْ لا يفعلونَ. يجعلونَكَ تتشبثُ بهمْ أكثرَ، فيعدونك أحيانًا أنهم سيشاركونَكَ الواقع، ولكنهم غرباءُ عنكَ يكذبونَ كثيرًا، فيتحررون من الفعل لتكون ردة فعل لأفعالهم الغائبةِ. يدلِّلُونَ أرواحَهُمْ، فماذا يأخذُ منكَ ميتٌ إذا بُعِثَتْ روحُهُ ذاتَ يومٍ؟ تعانقُكَ وتشاركُكَ فعلَتَكَ الدنيويةَ؟! ومن هنا التزمَ الصفوفَ، قَدَمٌ في الصفِّ الأيمنِ والأخرى في الأيسرِ، فهو أيضًا ما زالَ لا يعلمُ ما الفرقَ بين الأمواتِ والأحياءِ، ولا يعلمُ كيفَ يثبِّتُ قدمَهُ في الأرضِ ليكونَ حيًا، أو كيفَ يغرسُهَا في الأرضِ فيصبحُ ميتًا، فحينَ يغتالُهُ الموتُ في خيالِهِ يودُّ أن يذهبَ للحياةِ، وحينَ يعودُ للحياةِ كانَ يحبُّ أن يتسربَ للموتِ كليلٍ يمحقُ ظلمتَهُ ليأتي النهارُ. انشقَّ في النهايةِ كالقمرِ وبكى، وأمسك بيدِ أحدهم وقال: أحياءٌ نحن أم أمواتٌ؟ فابتسمَ له وقال: ربما أحياءٌ حينَ نحبُّ وأمواتٌ عندما ينتهي الحبُّ. فصرخَ في وجهه مرةً أخرى وقال: هل أنت كما أنتَ؟ فأنا أشبِهُ الأمواتَ والأحياءَ، فنحنُ بالقاهرةِ. فهل أنتَ كما أنت؟

 






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader