الجمعة 29 سبتمبر 2017 - 10:12 مساءً

"عقيدة الذات".. (شاهين الطفل المتمرد)

أسماء أيو الغيط

بقلم: أسماء أيو الغيط

قلبه ينبض نبضات طفل، كلما رآها يضربه العشق، يرديه قتيلا.. يصارعها، فتهزمه شغفا.. يزيد النظر في عينيها فتبادله الغزل، هي أنثاه ومعشوقته الساحرة، فكلما اقترب منها استعاد بها الحياة، واستعاد ذاته، فلا يستطع أحد منافسته عليها رغم كثرتهم ورغم "الفوضي".. تملكت زوايا عقله فنونه، عشقه وجنون قلبه، فالطفل لا يمل المغامرة ولا يقدر علي فرقاها.. يعيد المحاولة فلا تعيقه الحوائل والسدود ولا المسافات.. أينما ذهبت يدور خلفها مسلوب العقل والإرادة يتبعها مثل "الابن الضال" إلي حيث أضوائها الكاشفة وجمهورها العريض، إنها تجري مجري الدم في شريانه تصرخ داخل أوردته، وهو يعلم أنها وحدها بيدها "المصير"، بعدما اكتشف إدمانه لها، صار صراخه صياح طفل أحمق موتور.. صرخته أرجفتها وأذهلت الضجيج والفوضي فكانت الصرخة "سكوت" يثأر لزمنها ومن أجلها.

الطفل المتمرد هو قطعة فنية منحوتة من رحم الحضارة اليونانية (الأم)، امتدادا للعبقرية المصرية (الاب) المصري الكاثوليكي ذى الأصول اللبنانية..
هو "يوسف جبرائيل شاهين" أو المخرج العالمي" يوسف شاهين" الذي ولد 25-يناير-1926م

وأما معشوقته الساحرة فهي "عدسات كاميرته" التي. فتنته فالتقط بكادراتها عوالم إنسانية مثيرة، غارقة في شجون الإنسانية المعاصرة وأدق تفاصيل الإنسان المصري خاصة والإنسان العربي عموما حتي وصل صداه صارخا ليسمع العالم، يصل صوته الذي كان يصيح مع بداية كل فيلم له "سكوت هنصور" مغتالا فوضي العالم وتصنيفاته وعنصريته البغيضة! ورغم إثارة الجدل حول ابداعه فهو سيظل المخرج المصري الوحيد الذي اقتنص لمصر العالمية، ولم يستطع احد رغم تعدد المخرجين المبدعين آنذاك ان ينازله في هذا أو يأتي بمثله.
أثار اصراره وتمرده انتباه العالم ضجيجا، وشغبا، عصيانا.
لم تكن جائزة مهرجان "كان" وحدها الشاهدة علي عبقريته فبعد عام واحد شارك فيلمه "ابن النيل" 1951 في مهرجان "كان"
ها هو ذا _ شاهين _ الذي أهدانا أعظم كلاسيكيات السينما المصرية، التي عبرت بشكل مدهش عن المجتمع المصري في مقدمتها:

فيلم "الارض" الذي يأتي في المركز الثاني في قائمة أفضل مائة فيلم مصري في القرن العشرين وفي القائمة نفسها جاء فيلم "باب الحديد" في المركز الرابع.

هو الشاب الذي حصل علي الثانوية من "كلية فيكتوريا" بمدينة "الاسكندرية"، كافحت أسرته من اجل اتمام دراسته دراسته، من ثم سافر الى الولايات المتحدة لدراسة الاخراج السينمائي بكاليفورنيا.
عاد الى مصر عام 1950م، لترسم عبقريته خطوط متصلة وليس محض صدفة، اكتشفت رؤيتها جلية ، واضحة،
بثقة تامة، حين تملك رؤيته ما بين اول افلامه "بابا أمين" الذي اثار الجدل مع الرقابة بسبب قصته حيث يتناول هذا الفيلم حياة شخص ما بعد الموت، حيث نهاية الفيلم لبطل الرواية، هو استسلام روح أمين (حسين رياض)، ومغادرة الأرض إلى السماء متتبعا حياة اسرته من العالم الاخر وتاثير افعاله في الحياة علي عائلته ومن ثم يعود للحياة ليصلح ما افسده؛ لكنَّ الرقابة اعترضت على هذه النهاية، تشترط من شاهين تغيير نهاية الفيلم، لتصبح النهاية استيقاظ بطل الفيلم من النوم، وإدراكه بأن ما دار من احداث كانت مجرد حلم، وبالفعل يرضخ شاهين لتغيير نهاية الفيلم، ليصبح الصدام الأول لشاهين مع الرقابة في أولى أفلامه.

لكنه ليس الاخير وظل الصراع من اجل افكاره مستمرا حتي اخر فيلم "هي فوضي" والتي اصرت الرقابة ايضا وضع علامة استفهام يتبعها علامة تعجب ليلازما عنوان الفيلم حتي لا يكون الاسم تقريريا للواقع المؤلم وهو بطش الشرطة المصرية، وتجبرها علي المواطن المصري البسيط آنذاك!

ومن خلال لغته الخاصة طوع أفكاره وسخرها لرفض الجمود، التابوهات، محاربة الجهل والظلام والظلم، العنصرية بأسلوبه الذي اقتحم حتي (المشاهد الصامتة) والتي أصابت أهدافها مثل رصاصات مدوية.
ازدادت مهاراته يوما بعد يوم في اجتياح ملموس حتي تقدم جموحه الفني مثل المهر الجامح لا احد يستطيع تطويقه فظهر سخاؤه بكثافة في غزارة الأفكار ورصد ادق التفاصيل بالمشهد الواحد ببراعة غير مسبوقة ورغم الجدل الواسع حول ضرورة ذلك او عدم اهميته إلا أنه مع الوقت اثبت لنا ان كل هذا كان "لضرورة انسانية في المقام الاول".. مأخوذة بأمانته وصدقه! وكأنه كان يقول من خلال الكادر الواحد (إن جماح المهر لن يطوقه طوق عصفورة) وأن الأفكار لا يحدها رقيب.

وبين ذاته وصدقه انقسمت مسيرته الفنية:
صدق وصدقه كل من قام بالتمثيل خلف كاميرته او أمامه فكانت النتيجة أفلاما أسطورية ووجوها عالمية تعلمت من أدائه اللامحدود.
فلا غرابة إن وجدت معه نجوم كبار يطلون علينا مثل ناطحات سحاب بصور مغايرة لطبيعة أدائهم ومنهم:
يوسف وهبي-زكي رستم-ليلي مراد- هند رستم- يحيي شاهين- فريد شوقي- فاتن حمامة- سناء جميل- أحمد مظهر- شكري سرحان- نجلاء فتحي- محسنة توفيق- عزت العلايلي- نور الشريف-حمدي غيث-لبلبة- محمود حميدة- ليلي علوي - محمد منير- نبيلة عبيد......).
"شاهين" الذي سطع معه لآلئ خطت طريقها نحو العالمية مثل "عمر الشريف" الذي اكتشفه ومثل معه اولي أفلامه "جميل راتب" ونجوم آخرين مثل: (محسن محيي الدين-أحمد زكي- داليدا- خالد النبوي- خالد صالح- هاني سلامة......).

وما بين أفلام الصراع الطبقي مثل فيلم: (صراع في الوادي) - (عودة الابن الضال) الي افلام الصراع الوطني مثل (جميلة -وداعا بونابرت....) الي سينما التحليل النفسي (باب الحديد- فجر يوم جديد....)، بعدما مزج بين العام والخاص /التأريخ الفردي وقضايا الوطن..
تمتد مسيرته وسينما الذات أو "السيرة الذاتية" والتي بدأها بفيلمه الشهير "إسكندرية ليه" 1978م وربط المتابعين للفيلم لقطات سابقة في اثنين من أهم افلامه وهي العصفور 1972م وعودة الابن الضال 1976

اللقطة الأولي في فيلم العصفور:
لقطة استباقية تصور شاحنات عسكرية تحمل القوات المصرية لخوض حرب 1973م تتقاطع معها شاحنات تحمل مواد مسروقة من المال العام لحساب كبار اللصوص.

اللقطة الثانية من فيلم عودة الابن الضال:
يصور فيها الابن الذي تنتظره العائلة لحل مشاكلها يخرج من السجن متأملا الشوارع فيتقاطع المشهد مع جنازة الرئيس "جمال عبد الناصر".
يروي "شاهين" أن فكرة الفيلم"إسكندرية ليه"راودته عندما كان يمر بأزمة صحية معتقدا انه بات قريبا من الموت ومن هنا بدأ يكرس فنه كليا للطابع الذاتي.

فنجده يستحضر في افلامه المدينة والبشر يخوض في السياسة والحرب والموت والسلام وهو الاسلوب الذي لم ينافسه فيه أي مخرج عربي ممن سبقوه او لحقوا به.

ثم يستكمل سيرته الذاتيةمع رائعته الفنية "حدوتة مصرية" 1982م وهو عبارة عن إستعادة لروح الطفل _شاهين_ وذكرياته التي استعادها من ذاكرته في صحبة فرويد وماركس متعمقا في نزعته الإنسانية مع سنوات عمره وهي قصة استنبط فكرتها من كتاب الكاتب الكبير "يوسف إدريس" في قصة عنوانها القاتل مستوحاة من تجربته _إدريس_ ووضعها في تصرف _شاهين_ ليصيغها من خلال تصوره الذاتي لحياته.

"إسكندرية كمان وكمان" 1990م ونشاهد فيه "شاهين" بعد ان اصبح مشهورا ليروي فيه عن السينما والجانب العاطفي في حياته ومن ثم الجانب السياسي وفترة الثمانينات.

وصولا الي قطيعته السياسة الأمريكية ورفضه لها في فيلم "إسكندرية نيويورك" 2004...

وتتوالي اعمال شاهين العظيمة مثل:
فيلم (المهاجر) 1994،الذي ويصور زمن قديم تعيش فيه إحدى القبائل حياة بدائية تقوم على الرعى. على رأس القبيلة أب مسن (ميشيل بيكولى) ومجموعة من ابنائه يختص الأب منهم رام (خالد البوى) برعايته فيثير حقد إخوته عليه...وهو الفيلم الذي أثار ضجة بمجرد عرضه حتي انه منع من العرض حيث اقترب فيها "شاهين" من السيرة الذاتية لقصة نبي الله "يوسف".

يتمرد الطفل داخل "شاهين" كالعادة ليرفع دعوى قضائية لعرض الفيلم والتي حكم فيها لصالحه بعد عرض فيلمه "المصير" الذى قام بكتابته وأخراجه ردا على منع الفيلم.

من ثم (المصير) 1997م ويتناول سيرة "ابن رشد" والعصر الاندلسي والذي ظهرت فيه رسالته بمحاربة الجهل والطائفية..

يتبعه فيلم (الآخر) 1999م الذي نبذ فيه التطرف والعنف نحو الآخر ....
ثم تأتي نهاية رحلته السينمائية وفيلم سكوت حنصور (2001)

وصولا الي آخر افلامه "هي فوضى" (2007) وتضم قائمة افلامه المشرفة 37 فيلم طويل ومنها "وداعا بونابرت، الناصر صلاح الدين وخمسة أفلام قصار حصيلة حياته المهنية نال عدة أفلام منها جوائز وترشيحات لمختلف الجوائز في العالم، أهمها جائزة الانجاز العام من مهرجان "كان" السينمائي والتي حصل عليها بعد خمسة دعوات تسبقها.

وأفضل ما اختتم به هذا المقال هو صوت شاهين وقوله:

"حين أستعرض مشواري مع السينما المصرية بكل سلبياته وإيجابياته.. وبكل ما قدمت من إضافات وبكل ما حصلت عليه من عذابات.. أستطيع القول إنني أخذت من السينما بقدر ما أعطيتها، وأن رحلتي مع السينما المصرية كانت تستحق كل ما قدمته من أجلها".

"إذا أردنا أن نعرف الفنان الملتزم فهو الذي يتقبل مسئوليات اختياره بسلبياته وإيجابياته".

"في كل أفلامي لغز غامض لا يقوي علي فهمه الكسالي الذين يريدون - بحكم التعود -
فهم الأشياء مسبقًا قبل التفاعل معها".






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader