الخميس 14 سبتمبر 2017 - 09:29 مساءً

حكيم المعرة (3).. "البحث عن الحقيقة"

أسماء أبو الغيط

"نحت قلم"

بقلم: أسمـاء أبـو الغيـط


أكان تقيا أم زنديقا؟!

ها هنا توقف بنا السؤال...
واحتار معه هذا الوصف الأخير، الأمر كان أشبه بإنقاذ شخص موشك على الانتحار يعتلي شفا هاوية، أراد البعض القاءه من فوقها.

اصطفت الكلمات وجالت في رأسي واحدة تلو الأخري، لربما أخيرا دنا لي هو _المعرى_ باطراف خيوطها عندما تخيلته جالسا شاردا متعمقا بين محبسيه.
لا يسعه أن يظل جالسا، ساكنا، ناظرا أمامه مشدوها بنظرة باهتة خالية من الحياة..!

سألته من أنت فرد ساخرا:


"دُعيت أبا العلاء" وذاك مين
ولكن الصحيح أبا النزول".

ياله من فيلسوف حصيف بصير للحقيقة، واصل إلى أغوارها، كاشف لأسرارها.

خلته يخرج من فيه بضع كلمات فحواها (الشك-المسلمات- الخيال - الحقيقة - الفيلسوف- الزهد -التحدي - المعرفة -التأمل....) فوجدت كل كلماته تعبر عن ماهية (الحقيقة).

وجدته باحثا عنها (الحقيقة)، فلولا الرغبة في معرفتها ما راودنا الشك، وعندما نصل اليها نسلم بها ومن أجل الحقيقة نتأمل فندرك الإيمان أو الالحاد أو اللا شيء، فكل منا يريد ان يصل الي شيء خفي من"الحقيقة" فيما يشغله فليس هناك عاقل علي هذه الأرض لم يسأل أسئلة وجودية ليبحث عن ذاته، وهي الشغف وراء التعلم او المعرفة ولولاها ما كتبت هذا الجزء مفصلا ومطولا..

وكما ذكرت الأحداث التي عاشها المعري في عصره وما كان بها من عصف وصراعات سياسية وثقافية واجتماعية أحدثت اضطرابا وفتنا، ومن شأن الفتن احداث اختلاف الرأي وتباعد المذاهب واصطراع الرؤى والأفكار.

والفتنة التي قامت باللاذقية ـ بين أتباع أحمد والمسيح ـ كما يقول المعري، كانت أبعد من هذا وأعمق، لقد كانت شاملة لمعنى الوجود والحياة، مزلزلة لمعاني الانتماء وقيم الانتساب، داعية أمثال المعري من المتأملين والعاكفين والزاهدين إلى الترفع والزهد والنأي بالنفس عن ساحات النفاق والسقوط في بئر من الآثام، فاتخذ لنفسه عقله ليكون هو مخلصه في عتمته السحيقة.

وكانت تلك فترة من سنواته الأولي.. كان ينأي بنفسه عن كل أشكال الثبوت والجمود، والنفاق، وهذا ما جعله يختار أن يكون أسيرا لمحبسيه بل أضاف إليهم محبسا ثالثا وهو سجن الجسد الذي أدت به المعرفة إلى اعتبارها سجنا يحاوطه، تتحرر منه الروح بفراقها للجسد، ليعود إليها طهرها وتحررها.

"أراني في الثلاثة من سجوني
فلا تسأل عن الخبر النبيث
لفقدي ناظري، ولزوم بيتي
وكون النفس في الجو الخبيث".

أما لزومياته فتمثل شعر النضج والحكمة، والتي تلت شعر الصبا والشباب في ديوانه الأول "سقط الزند" وهي التي تحمل أقباس فلسفته التي تقوم على تشاؤم حاد يُرد إلى فقده لبصره صبيا وإلى ما أطبق على المجتمع لزمنه من شرور ومن حكم فاسد كما تُرد إلى إحساسه العميق بآلام الإنسانية التي ملأت قلبه لوعة، مما جعله مفكرا إنسانيا عظيما، بالإضافة إلى جانب ثان استمده من الدين الحنيف وما فيه من دعوة إلى الزهد والتقشف والإيمان.

وبعد انتهاء تلك الفترة من سنواته الأولي والتي شكلت وجدانه وحياته بدأ يتلمس الحقيقة واقترب اكثر الفلسفة الوجودية، بعد قرابة النصف قرن من حياته، تجلت واضحة في صوره الشعرية، وإبداعات فلسفية سطرها في لزومياته أو (لزوم ما لا يلزم) في شكل متعمق جعله يشعر بالاختلاف والتمايز، بينما هو في ذاك الدهر السحيق استطاع ان يكشف عن سراديب واسرار وألغاز بشكل يكاد حاسم باتر، وحقائق مازالت تشغل العلماء حتي في عصرنا هذا بآلاف من النظريات والابحاث.

"وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل".


وها قد صدق فأتي بما لم تستطعه الأوائل، وأيضا بما لم يقدر عليه الأواخر!!

لربما الان احتاج أن اكون في شجاعة ابي العلاء المعري لافند لكم بعضا من أفكاره والتي اتهم من خلالها بالزندقة والكفر، وهو ما عرفته عن طريق سؤالي الأول له (من انت؟) المتصل وجوديا بالسؤال ذاته (تقى أم زنديق)؟!
وحتما ستدهشون مثلي كيف له أن توصل الى كل هذه المعرفة التي سبقنا بمعرفتها بقرون طويلة:

يقول (المعري):

"ولو طارَ جبريلٌ بقيّةَ عمرهِ... من الدهر ما استطاعَ الخروج من الدهرِ".

إذا صدقنا بصحة هذا البيت سنجد أنه استأثر الزمن بفكر الشاعر الفيلسوف كما استأثر بعقول فلاسفة الإغريق وبعقل نيوتن وأينشتين، توصل بخياله الي أبعد من الحقيقة وهي نظرية النسبية، فهل علم أبو العلاء المعري لغز الزمن ونظرية (أينشتاين) التي أتي بها في اواخر القرن العشرين والتي اثبتت أن الزمن غير مطلق!

وبينما كنت أقرأ له بيتا من الشعر يقول:

"لا تقيِّد عليَّ لفظي فإني مثل غيري تكلُّمي بالمجاز
خالق لا يُشَكُّ فيه قديم وزمان على زمان تقادم
جائز أن يكون آدم هذا قبله آدم على إثر آدم".

وبينما أقرأ هذا صادفني مقال للدكتور وسيم السيسي قبل أيام قليلة في جريدة "المصري اليوم"، يقول ملخصه:
"جورج سميث عالم من علماء الأبحاث الآشورية اكتشف لوحا عليه كتابات مخروطية في المتحف البريطاني عليه قصة سفينة نوح التي استقرت علي جبل يسمي "نسر"، فقامت بعثة برئاسته الي خرابة نينوي "العراق"، وكشفت البعثة عن 384 لوحا من الوثائق التاريخية واكملها 30000 كلها تتضمن فقه الطوفان، ملحمة جلجامش المذورة في دائرة المعارف البريطانية".
فى بحث قادم من النمسا «فيينا»:

By: Edith And Alexander

كارثة حدثت 9545 ق.م عرفوا هذا بواسطة علم اسمه Dendrochronology وهو معرفة زمن الكارثة من جذوع الأشجار التى عمرها عشرة آلاف سنة، فالحلقة التى يزداد فيها كربون 14 تكون هى سنة الكارثة أو الطوفان!

بدأت كارثة الطوفان بمذنب تكسر، إلى سبعة أجزاء اصطدمت بالأرض فحدث الآتى:

1- زلزال لا يقدر بريخترات غيّر شكل الأرض Rift vally.

2- عواصف خلعت الأشجار والناس وطاروا فى الهواء.

3- براكين وحرائق 1800 درجة مئوية.

4- فيضانات وظلام وشتاء على الأرض طويل.

5- أمطار حمضية «حامض النتريك» «سحب حمضية».

6- دمار طبقة الأوزون.

7- اندثار أنواع كثيرة من الحياة أهمها حيوان الماموث.

إذا اصطدم مذنب قطره ألف متر، هذا يحدث كل مائة ألف سنة، كما حدث مع الديناصورات وكان فناؤها، الجنس البشرى يفنى بمذنب 300 متر إذا اصطدم بالأرض، وقد نجونا 1981م من كارثة محققة.

قال أفلاطون الذى علمناه الفلسفة 13 سنة «مصر القديمة»، إن الكهنة المصريين أخبروه أن الله يجدد العالم كل عشرة آلاف سنة، كما جاء ذكر هذه الكارثة فى كثير من الحضارات القديمة:

فى بيرو: ستة نجوم شريرة تجمعت، وحين اقتربت من الأرض تفتتت إلى سبعة أجزاء. وفى الساجا الهندية: عدد من الشموس المخيفة أحرقت الأرض. وفى الأساطير اليونانية: فيتون ابن إله الشمس أسقط الشمس المزيفة فكان الطوفان والظلام.

ويستطرد الدكتور وسيم السيسي:
"الشىء الجميل الذى يجب أن أقدم له التحية احتراماً هو أن هؤلاء العلماء يقولون إن قصة الخلق التوراتية إنما هى إعادة خلق وليست خلقاً: Recreation but not creation ذلك لأن خلق النور فى اليوم الأول، والشمس فى اليوم الرابع غير معقول، ولكن بعد كارثة الطوفان ظهر نور الشمس من بين الغيوم ولم تظهر الشمس ثلاث سنوات، فاعتقد الإنسان أن الله خلق النور أولاً ثم الشمس، كذلك جاء فى التوراة أن الله خلق الطيور أولاً ثم خلق حيوانات الأرض، والحقيقة العلمية تقول إن الطيور تطورت عن الزواحف وحيوانات الأرض، والتفسير هو أن الإنسان شاهد الطيور أولاً بعد الطوفان، ثم شاهد الحيوانات التى نجت بعد انحسار المياه عن الأرض".

وفي نهاية المقال ختم بمعلومة :
"التوراة كتبت حوالي 595 ق. م
وملحمة جلجامش 2850 ق. م
مما يجعلنا نتساءل هل كان هناك خلق مماثل (آدم وأنبياء آخرون وحضارات أخري كما ألهمنا (المعري) في البيت السابق!!".

وهكذا أدهشنا بمعرفته_ المعري _ بتقادم الشمس.

"ومولد هذا الشمس أعياك خبره
وخبر لب أنه متقادم".

وبين علمه بعلوم الفلك التي تخفى على كثير من المثقفين في عصره وفي غيرها من العصور، التي شرحها تفصيلا ونصا بأسمائها ووظائفها فأبهر بها كل من له دراية بالفلك نذكر منها:

نجم "سُهيل" وهو نجم عملاق أحمر يبعد عن الأرض بحوالي أربعمائة سنة ضوئية.

والإشارة بإحدي قصائده إلي شروق كوكبة "النسر الواقع" وفيها النجم اللامع "Ve Ga"، وهي كوكبة تشرق في أواخر الربيع قبل الفجر ثم تتقدم غرب السماء في تتابع يومي، وبالتالي تكون محتلة للسمت في فصل الصيف، والعارف بالفلك يحار في دقة المعري في تقصي هذه المجموعات النجمية.

وأيضا الشعرى اليمانية والشعرى الشامية، نجم "السُها" ، وهو نجم خفي في كوكبة الدب الأكبر في الذيل ، كانت العرب تمتحن به قوة البصر، وغيرهم الكثير!

و في نقده للشرائع:
يتحدث عن التجارة بالدين و نفاق تجار الدين وصعود المنابر والأحاديث المنقولة علي النبي محمد "ص" والتي اصبحنا ننتقدها اليوم بعين العقل وليس النقل:

"جاءت أحاديثُ إن صــحتْ فإن لها شأنـا ولكن فيها ضعف إسنادِ
فشاور العقل واترك غيره هـــدرا فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي".

كما ندد بالعقل النقلي
دون التفكر في بدائع الخالق متسائلا: هل كل من يفكر يصير ملحدا؟!

"في كل أمرك تقليدٌ رضيتَ به حتى مقالك ربي واحدٌ، أحدُ
وقــد أُمرنا بفكرٍ في بدائعه وإن تفكر فيه معشر لحدوا؟"


وبين رفضه للوثنية من منظوره، والتناقد الذي يرفضه العقل يتحدث بجرأة واضحة:

"وما حجى إلى أحجار بيت كؤوس الخمر تشرب في زراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاه تهاون بالمذاهب وازدراها
ما الركن في قول ناس لست أذكرهم إلا بقية أوثان وأنصاب
أرى عالما يرجون عفو مليكهم بتقبيل ركن واتخاذ صليب".

إذن هو صوت المعري المجرد، النابذ للجهل، الفساد والظلم والطغيان والجبروت واستعمال الدين، المغرد بالحزن والسخرية والمرارة والتشاؤم تارة، المُعلّى للكرامة الإنسانية واليقين العقلي والحرية الإنسانية تارة اخري، يعليه في دهر لا يختلف كثيرا عن دهرنا الذي نعيشه، فسادا وطائفية ومذلة وهوانا، ونزاعات وصراعات، وتشبثا بالباطل، والانحدار في الخرافات والتشبث بظلمة الجهل، والجهلاء.
وختاما خلته يسخر من كل هؤلاء الذين اتهموه وهو يقول:

"إذا سألوا عن مذهبي فهو بيِّن وهل أنا إلا مثل غيري أبله
جهلنا فلم نعلم على الحرص ما الذي يُراد بنا والعلم لله ذي المنِّ".






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader