السبت 09 سبتمبر 2017 - 05:34 مساءً

الحُب هو البقاء بعد الموت

هـناء زكـي

بقلـم: هـناء زكـي
 
حين كنت أنعى صديقتي التي توفاها الله بعد رحلة صراع مرير مع المرض وانهالت تعليقات الاصدقاء بالدعوات لها بالرحمة والمغفرة، تداعت إلى ذهني بعض الاسئلة: هل سيتذكرني أصدقائي بعد وفاتي داعين لي بالرحمة؟
 
ماذا قدمت لهم في رحلة علاقتي بهم كي يتذكروني؟
 
مقولتان تتصارعان داخل الانسان طوال رحلته مع الحياة: أنه لا يبق من الإنسان بعد فناء الجسد سوى سيرته، ومقولة البُعد عن الناس غنيمة.
 
يقاسي الإنسان مع علاقته بالناس ويعش علاقات بين الشد والجذب، الابتعاد والاقتراب: هذا يحسدني، وتلك تغار مني، وهؤلاء يحقدون علي، وهؤلاء علموني درس حياتي أن احترس من العطاء بلا مقابل، حتى لا أقع في شرك استغلالهم.
 
ابعد عن الناس! أم اقترب منهم؟ حيرة تستمر وتتوغل في مشاعر البشر طوال رحلة حياتهم، لا يستقرون على اجابة إلا وتتحول إلى اخرى بعد فترة، غافلين عن الإجابة الوحيدة التي أن وعوها لتحولت حياتهم إلى موقف واحد ثابت من الناس.  
 
الحب هو وسيلة الإنسان للبقاء بعد موته، فبعدد من أحب منهم وأحبوه بعدد الدعوات له بالرحمة والعفو من رب العباد، الحب هو الخلاص للإنسان في حياته وبعد موته، الحب هو البقاء بعد الموت.
 
لن ينفع ماله الذي جمعه فالمال لا ينطق ويدعو بالرحمة! ولن ينفع منصب وشهرة اوصلته إلى اعلى سلم المجد في الحياة فلن ينطق له المجد والمنصب ويدعو له بالرحمة. قصاقيص صغيرة تنسج تفاصيل إنسان، تسرد قصتها ألسن الناس، تصبح عابرة للسنوات وعابرة لأبواب السماوات.
 
أحدهم يتذكر كيف كانت زوجته ترمي كيس القمامة أمام أبواب الشقق، وكان جاره يتأفف كل يوم وهو ذاهب إلى عمله من الرائحة الكريهة، عاد الجار يوما من عمله وقد اشتري من ماله صندوق كبير للقمامة، وطرق باب شقته، وأخبره أنه خاص بهما، يضعان فيه القمامة لحين يأتي جامع القمامة لينقلها، أخبره بهذا وهو يبتسم وعلي وجه الجار ظهرت ابتسامة فرح ممزوجة بخجل.
 
أصبحت تلك قصة الجار يعيد حكيها لأبنائه ثم لأحفاده وهو فخور بجار مثله عاشره سنوات في أدب واحترام، مترحما علي ذكراه الطيبة. وآخر لم ينس لحظة أن طرق بابه يوما جاره البعيد، ليهنئه على اقتراب زواج ابنته وأعطاه ظرفا فيه هديه، بعد مغادرته فتح الظرف ليفاجئ بأن فيه مبلغ كبير جدا من المال، ورغم أنه عمره ما اشتكي لهذا الجار من ضيق ذات يده، ولا شكي له همه من أعباء مسئوليات زواج ابنته، كان الظرف وما به من مال طوق نجاة أنقذه من ضائقته المادية، وتزوجت ابنته ولا زال يقص عليها وعلى أحفاده منها قصة هذا الجار الكريم، وتناقلت الالسن الترحم على روحه والدعاء له بذكر سيرته الطيبة جيل بعد جيل.
 
مواقف بسيطة للغاية أفرز منها الحب سلسلة من التسامح والعطف والكرم، نهر من العطاء الإنساني، فأصبح الحب كما الصدقة الجارية التي قال عنها رسول الله صل الله عليه وسلم (إذا مات أبن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).  
 
رزقنا الله واياكم حُبه وحُب كل عمل يقربنا إليه.
 
 Hanaa35@hotmail.com





مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader