السبت 09 سبتمبر 2017 - 05:31 مساءً

زبانيـة الشيطـان

د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

بقلـم: د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان
                        أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون
 
 
من البديهي في الحياة أن الخير يُعرف بضده؛ وأن الحقّ يُعرف بضده، فنعمة الخيرلاتُعرف إلا بعد فقدانها ، والحق يُعرف قدره حين يستشري الباطل ويستفحل ! فالأشياء تستبين وتظهر بالأضداد؛ فنعرف نعمة الصحة حين يهاجمنا المرض؛ ونعرف نعمة الشبع حين نتعرض للجوع؛ ونتيقن من نعمة الغنى حين ننهزم تحت ضربات معاول الفقر والحاجة، وترتاح أعيننا للون الأبيض بعد النظر إلى اللون الأسود.

ولكن مايعنينا في هذا الصدد؛ هو صراع الخيروالشر داخل المجتمعات الإنسانية منذ بدء الخليقة، وبخاصة بعد ظهور مايسمى بـ "كيان الدولة" والصراع الحتمي الذي يدور في كواليس السلطة والحكم، ومحاولة امتلاك واحتكارمصادرالثروة والإقتصاد، واستفحل هذا الصراع بعد استغلال الدول الكبرى للشعوب الضعيفة أو المستضعفة؛ وتطبيق نظرية "فرِّق تسُد" بين أفراد مجتمعاتها لضمان إحكام السيطرة والهيمنة على مقدراتها؛ ناهيك عن استخدامهم لأصحاب النفوس الضعيفة والضمائرالخربة ؛ الذين لاتخلو منهم المجتمعات البشرية على مر العصور.

وبرغم أن الخيروالشر.. هما وجهيْ عملة المعاملات البشرية، إلا أن بعض النفوس ـ بنظرية المصلحة وأنا ومن بعدي الطوفان ـ جُبلت على الشروحده؛ ولا تجنح إلى الخيرإلا بمحض الصدفة، وربما ندموا عليها إذا كانت تصب في غير صالحهم ومصلحتهم وتخدم نظرتهم الضيقة لشئون الحياة والعلاقات الإنسانية السويَّة، ويصرون على نثر بذور "شجيرات الحنضل" التي لاتثمر سوى الحسك والأشواك في تربة المجتمع، وتتغلغل بمرارتها وعلقمها بداخلها؛ فلا ظل لها ولا فىءٌ يُستظل به ! وهؤلاء هم من اتفق على تسميتهم بأهل الشر وجماعته؛ وسدنة الشيطان وزبانيته . وحوادث التاريخ تشهد وتشي بمدى تغلغل بذور الشرفي نفوسهم الهشة المهتزة؛ فكان منهم من قتل شهيد المحراب الخليفة عمر بن الخطاب وهو قائم يصلي بين يدي الله، وتكأكأت جحافلهم على قتل كل من جاءوا بعده من الخلفاء الراشدين.

ولست بصدد استعراض تاريخ أهل الشرفي التاريخ القديم أو الحديث؛ قدرمايعنيني أن أعمل على التنبيه بأهمية القيام بالدراسات العلمية الواعية لتحقيق تنقية مجتمعاتنا الحالية من هؤلاء؛ والوقوف على دوافعهم النفسية والعقلية التي تحرضهم على ممارسة الحرب الضروس ضد استقرارمجتمعاتهم، فمنهم من يعمل لصالح تنفيذ مخططات خارجية سياسية أوعقائدية بالمقابل المادي؛ ودون النظر لصالح الوطن ومستقبله ، ومنهم من يتبنى بعض النظريات ويؤمن بها ويحاول فرضها على المجتمع بكافة الوسائل غير المشروعة.

وفي اعتقادي أن القضاء على تلك الشرائح المارقة في المجتمع؛ لن يتأتى إلا بإصلاح المنظومة التعليمية من القاعدة إلى القمة والتي طالما نادينا بها في كل المحافل والمجالات؛ وإعادة النظرفي المواد والمناهج الدراسية الجامدة المفروضة على كل المراحل من الحضانة إلى الجامعة؛ والاعتراف بأهمية تدريس كل مايتعلق بالفنون والآداب؛ فالغذاء الروحي لايقل أهمية عن الغذاء الفكري، فهما يكملان بعضهما البعض؛ فالإنسان جسد وروح..
 
فهذا الإصلاح هو الوسيلة المثلى والوحيدة لإعادة تشكيل الوجدان المصري وإعادته إلى المسار الصحيح الذي بدأ به منذ نقش حضارته على حجارة المعابد والأهرامات منذ فجر التاريخ..
 
فالكوادرالواعية المؤمنة برسالة الفنون والآداب؛ هي قاطرة البشرية إلى المجتمعات التي تفتح آفاق المستقبل وتضفير المجتمع في نسيج واحد؛ يؤمن بالرأي والرأي الآخر؛ دون فرض سيطرة أفكار متطرفة خارجة عن المألوف وسياق الإحساس الجمعي الذي ينهض بالأمم والشعوب ، وفرض أجندات مغرضة لهدم الوطن. 

افتحوا الباب على مصراعيه ليتولى الشباب الصاعد مسئولية قيادة المجتمع، افسحوا المجال للرسائل العلمية ذات الأفكار المتقدمة لإصلاح المجتمع لتخرج إلى النور؛ حتى لاتظل حبيسة دواليب مكتبات الجامعات والمعاهد، امنحوا الفرصة لتطبيق الأفكار المستنيرة بمناقشة أصحابها في كيفية التطبيق؛ وإمدادهم بكافة مايحتاجونه ماديًا ومعنويًا، وقتئذ سوف نرى النتائج المبهرة على الساحة الثقافية والسياسية، وتعديل النظرة العقائدية التي تتعصب لمفاهيم ضيقة ترفض الآخربكل الأشكال والتوجهات بإجحافٍ شديد ؛ وتتخذ من العنف وسيلة للقمع والقهرلكل من يختلف أو يرفع صوته برأيه ومعتقداته، فالنوافذ المغلقة لاتمنح لشمس المعرفة الولوج إلى العقول والأفهام، حتى تستطيع أن تمنحها متعة التفكير السوي والسليم، ليتم إصلاح كل جوانب المجتمع فكريًا وعقائديًا وسياسيًا..
 
وحينئذٍ سنجد العديد من صفوف الكوادر المدربة الواعية القادرة على حمل عصا القيادة والريادة ، بدلاً من تكرار الوجوه نفسها والأفكارالعقيمة عينها بلا تجديد أو ابتكار، وكأن مصر بكل طاقات أبنائها العظماء عاجزة عن "تفريخ" عناصرشابة جديدة، وإغلاق الباب في وجوههم وتركهم نهبًا لليأس واللجوء إلى من يتلقفونهم بتجنيدهم ضمن جيوش أهل الشر المتربصين للانقضاض على المجتمع ونجاحاته؛ كنتيجة طبيعية للقهروالتهميش والاستبعاد من تصدر المشهد في إعلاء قيمة الوطن.

ظني أنها ليست مناداة بالمستحيل بل الممكن.فقط علينا أن نستثمرالبداية الحقيقية التي لاحت بشائرها ؛ وتمنح ثمارها المرجوة بالجدية الواضحة التي بدأت ونلمح آثارها؛ للقضاء على كل عناصرالفساد التي تغلغلت في بعض قطاعات حياتنا في الحقبة الماضية، نتيجة عدة تقلبات اجتماعية طارئة دخيلة على مجتمعنا المصري، وآن الأوان لاجتثاث بذورها من التربة المصرية لتعود لأصالتها ونقائها.

وإنا لمنتظرون!

 






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader