الثلاثاء 05 سبتمبر 2017 - 01:40 مساءً

أسماء أبو الغيط تكتب: "حكيم المعرّة".. حياته "2"

أسماء أبو الغيط

"نحت قلم"

ترقرق شعره من بين القاع المظلم، فاستأثر بضيائه خلف الكهوف المعتمة ببصيرة نافذة.. ونحت بأغوار حرفه أنوارا وهاجة أومضت عينين مطفأتين فتراءي بهما ما غاب من شعاع البصر، وأخذ يضرب بعصاه الألم فتنحي جانبا ولاح زاهدا، ينثر شعرا، أدبا، حكمة، كسفينة أبت ان يجوب شطآنها إيقاع الزمن متهيبا ذكراه قرونا إثر قرون..

لم يبقَ من ذكريات ما رآه إلا اللون الأحمر، قال: "لا أعرف من الألوان إلا الأحمر، لأني ألبست في الجدري ثوباً مصبوغاً بالعصفر، لا أعقل غير ذلك".
فقد دعاه في عمره المورق مرض "الجدري" ففقد عينه اليسري في الثالثة، وعندما بلغ السادسة غشي عينيه اليمني بياض وذهب بصره جملة واحدة!

في "معرة النعمان "شمال سوريا" كان بيته حيث نبت، فاكتسب عن أبيه حب النحو واللغة، الأدب، تبحر في علم الحديث، والتفسير، والفقه، والشعر واستقاها عن أبيه وجده وجدته وأخيه، وهي العلوم التي كانت متداولة آنذاك بين الأدباء والعلماء.

ثم دخل إلي حلب وهو لا يزال حدثا، فقرأ النحو والأدب علي بعض من أهل العلم، ومكث هناك قرابة "عام وسبعة أشهر"، ومن ثم رجع إلي حلب في عمر "العشرين"، فانكفأ علي العلم والمطالعة بنفسه، كذلك مال إلي التكسب بالشعر، فنال مالا جزيلا من ورائه، إلا أنه بعدئذ كره الكسب من خلال الشعر واقتصر شعره علي رسائله الي بعض من أهل الأدب وعلي رثاء بعض من أقاربه ثم اقتصر قوله علي أشياء وجدانية ووجودية خالصة.

وكان لوفاة أبيه أثرا كبيرا علي حياته النفسية والوجدانية التي غيرت من طريقة تفكيره فأصبح يتعمق في التفكير العقلي شيئاً فشيئاً.
أما حياته المادية فلم تكن مترفة علي الرغم من وجاهة أهله وثروة أبيه وأمه، إذ أن هاتين الثروتين كانتا في طريقهما إلي النفاذ بعدما توفي أبوه والذي رثاه "المعري" بقصيدة تعجب لها كل من سمعها لما فيها من نضج لفظي وفنون بلاغية!
ومن ثم احب أن يزور بغداد وتضاربت الآراء حول أسباب هذه الزيارة وشاع القول فعدد "ابن العديم" أكثرها ثم قال: "رحل إلي بغداد لطلب العلم ولم يرحل لطلب دنيا ولا رفد".
ولكن بدا لنا من أقوال المعري نفسه أنه رحل لطلب العلم والمال معا:

"أولئك ان يقعد بك الجاه ينصفوا
  بجاه وإن يبخل بنائله يعطوا.
وما قسطوا إلا علي المال وحده،
   وذلك منهم في مكارمهم قسط
نعم حبذا بؤسي أزارت بلادهم
    ولا حبذا نعمي بدارهم تنطو".

لقي "المعري" شهرة قد سبقته الي بغداد لكنه قابل هناك  معاناة من بعض الذين حسدوه علي علمه وفضله وجاهه، كما  قابلته بعض المصاعب وتأذي من مواقف وملابسات كثيرة ليست من الخلق الكريم في شيء، كانت ذات أثر عميق في حياته واتجاهه العقلي والتي حولته عن بغداد مرة واحدة!

ومن تلك الأحداث التي آلمته كثيرا: حينما كان "المعري" في أحد مجالس "الشريف المرتضي" زعيم وعالم الإمامية في عصره وهو صاحب كتاب "الشافي" و"أحكام أهل الآخرة" وغيرهما الكثير.. أخذ المرتضى يتتبع عيوب المتنبي وبغضه عليه، فلم يستطع الصمت، فكان معروفا عن المعري عشقه وتعصبه الشديد لشعر "أبي الطيب المتنبي" فرد عليه "المعري"قائلا:
"لو لم يكن للمتنبي إلا قوله "لك يا منازل في القلوب منازل" لكفاه فضلا"!
فغضب المرتضي وأمر بإخراجه من مجلسه، فأخرج من مجلسه مسحوبا من الأقدام، وقال المرتضي لجلسائه أتدرون أي شىء أراد "الأعمي" بذكر هده القصيدة؟
انه أراد أن يقول بيت المتنبي:

"وإذا أتتك مذمتي من ناقص    فهي الشهادة لي بأني كامل"!

خلف "المعرى" بغداد عام (400 ھ) حسيرا مما قابل من أذى، وحين وصوله "المعرة" لزم بيته في عزلة جعلته لا يترك بيته قط، وانقطع إلى الدرس والتدريس وسمي نفسه "رهين المحبسين" قاصدا بذلك (محبسه وعماه).
 وعرف عنه الزهد فكان واحدا ممن يؤثرون علي أنفسهم ليعطوا وينفقوا كل ما لديهم علي الفقراء والمعوزين، حتي أنه كان يتشكي من كثرة ضيوفه الذين اختلطوا عليه.

"صدَقتُكَ، صاحبي، لا مالَ عندي،
وقد كَثُرَ الضّيافنُ والضّيوفُ
أُناسٌ، في أكفّهِمُ عِصِيٌّ؛
وقومٌ، في أكفّهمُ سُيوفُ
دراهِمُهُمْ نقيّاتٌ، ولكِنْ
نُفُوسُهمُ، إذا كُشِفتْ، زُيوفُ
وما في الأرضِ من شِرْبٍ كريمٍ،
يُسَرُّ بوِرْدِهِ الصَّادي العَيوف".

كما عزف تماما وامتنع عن تناول اللحوم وكل ما يخرج من "الحيوان" مثل اللحوم، البيض، والألبان، والعسل..

"لو حاوَرَتكَ الضّأنُ قال حَصيفُها...الذّئبُ يظلِمُ، وابنُ آدمَ أظلَمُ
ويَزيدُهُ عُذْراً، لدينا، أنّهُ... سدرَانُ، ليسَ بعالِمٍ ما تَعلَمُ".

وأحصي "القطفي" ما ترك من مؤلفات وقال إنها أكثر من خمسة وخمسين كتابا، وأن كبارها فقد أو اعدم بسبب احتلال المعرة، وأن ما بقي منها هو البعض من كل كتاب وأهم ما بقي من مؤلفاته: ديوان، "سقط الزند"، وهو أول ديوان كتبه ولاقي شعبية وشهرة واسعة، وديوان "لزوم ما لا يلزم" أو ما يعرف باسم "اللزوميات"، وقد التزم فيه المعرى ما لا يلزمه نظام القوافى،  ورسالة "الصاهل، والشاحج"- "رسالة الغفران"- "رسالة الملائكة"- "رسالة الهناء"- "الفصول والغايات" وغيرها، كما ألف بعض الشروحات لدواوين شعر "البحتري"، و"المتنبي".

تميز المعرى بعبقرية وحدة بالذكاء والحفظ وإعجاز لغوي وأدبي وعقلي لم يأت بمثله أحد، وقد تميز أدب بغزارة الألفاظ وندرتها لغويا، واشتهر شعره بأسماء الحيوان والنبات والأسماء الفلكية والجغرافية والتاريخية مما لم يكن معروفا منها ولا متداولا في عصره، وكان ويضع كل منها في موضعه وامتزجت أشعاره بشروح دينية متعمقة، ولهذا يعد "المعري" أكبر شاعر وفيلسوف عرفه التاريخ العربي، حتى أنه لقب ب "نبي اللغة" وحصر من قدماء عصره أبيات شعره فقالوا إنها فوق "مائة ألف" بيت من الشعر كما ترجمت كتبه لعدة لغات.

وعرف عنه أيضا إضرابه عن ُ"الزواج، والانجاب حتي لا يأتي للدنيا أبناء يشقون ويقاسون مثلما قاسي وأوذي من الحياة.

"أَعدى عَدوٍّ لِاِبنِ آدَمَ خِلتُهُ...وَلَدٌ يَكونُ خُروجُه مِن ظَهرِهِ!".

ثم قضي النصف الثاني من حياته في التسبيح والتحميد كما يقول هو عن نفسه أو شهد غيره، لكن رغم هذا فقد حاوطته الاتهامات بالكفر والإلحاد شأنه شأن من سبقوه مثل "ابن المقفع"، و"الراوندي"، و"أبو حيان التوحيدي" ومن تبعوه من فلاسفة ومفكرين، وحتي يومنا هذا، وهذا ما باح به وبدا متأصلا في كتاباته وشعره، فإن قرأت أدبه، أو شعره لابد وأن يستوقف انتباهك شيئان.. قوة مفرداته اللغوية، وأخذك إلي سراديب من الأفكار والتساؤلات مما يجعلك تبحر.. تتساءل:

أكان تقيا أم زنديقا؟!

(هذا ما سوف نكمله في الجزء القادم).






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader