الخميس 24 أغسطس 2017 - 05:11 مساءً

قصة قصيرة بعنوان "لايف كوتش ..ساعة للتدريب على الحياة"

صورة تعبيرية

بعد أن فرغ صبره واشتدت أزمته في بحثه عن نفسه...قيل له..هيا لتجرب جديدا...دع إحباطك وابدأ الحياة...كيف تصف للناس كيفية الحياة وأنت لا تستطيع أن تعيش...ابحث في سير العظماء ستجد أنهم كلهم تمت السخرية منهم..كلهم تم رفضهم..كلهم ذاقوا كل المرارات أشكالا وألوانا...ابدأ ...قم من جديد...اسبح ولو ضد التيار..المهم ان تحاول وتظل تحاول..فالمحاولة  توأم الحياة...فكل ميلاد للحياة تولد معه المحاولات...وكل المحاولات إن هي إلا بشارة لمحاولات جديدة...."واصف الحكيم"

يعني أعمل إيه ؟ "زاهر الغريب"

أقولك.. أنت اشتغلت كتير معالج نفساني...والحقيقة إنك عارف البلد وناسها...وإزاي إن الناس تنظر للمعالج النفساني على أن عمله ليس له قيمة وقلما يأتيك الناس ليحصلوا على استشارة...أفضل شيء تشتغل في عمل جديد...جرب مسمى جديد...ضع لنفسك تصنيف مقبول ...قدم نفسك بصورة جديدة... متخليش الناس تقولك : أنا مكسوف آجي لك..."واصف الحكيم"

كويس جدا ...موافق...أعمل إيه؟ "زاهر الغريب"

أقولك ...في حاجة طالعة جديدة اسمها "لايف كوتش "...وانت مفيش أجمل منك في علاج الناس...وممكن كمان تعرف نادي أو كافيه...وتروح للناس قريب من أماكن سكنهم بحيث تبقى موجود في كل مكان...إيه رأيك؟ "واصف الحكيم"

فكرة جيدة ..ومش هخسر حاجة ...بالنهاية محاولة من المحاولات ربما تنجح...وربما لا تنجح....كل الشكر لك يا حكيم...هقرأ في الموضوع وأحاول أفهم الموضوع ماشي إزاي "زاهر الغريب"

من يومها كلف زاهر مساعدته...بالبحث عبر شبكة الإنترنت ...وطلب منها أن تسأل له عن الأجور وأماكن المقابلات والموضوعات المطروحة في التدريب على الحياة...وبالفعل جمعت مساعدته له كل المعلومات والأجور التي يجب أن يحصلها لو أنه سيحاول أن يعمل في هذا العمل.

بدأ "زاهر "يعد الإعلانات اللازمة لكي يبدأ في هذا العمل...وبعد انتظار ..وجد بعد شهرين اتصال به ..يطلب ساعة للتدريب على حل مشكلة ما....وكانت المكالمة من سيدة من الواضح عليها أنها تنتمي لطبقة مترفة ومرفهه ، فرح زاهر كثيرا بالمكالمة وأعلن للسيدة أنه ذاهب إلى كافتيريا بمنطقة المعادي لينتظرها هناك...

استقل "زاهر" سيارته المتهالكة...وكان يتمنى أن تصمد معه السيارة حتى يذهب لمشواره ويعود....مر زاهر على محطة لتموين البنزين... وأخذ منه تموين سيارته  ..نصف ما في جيبه تقريبا...انشغل قليلا وهو يقود سيارته بمدى كفاية ما في جيبه ليدفع ثمن المشروب في ذلك المكان الفخم...وما لبث أن تناسى فكرة كفاية نقوده لأجل المشروب فما سيحدث أن تلك السيدة الراقية ستدفع عنه كل شيء...فتناسى فكرة المشروب في مقابل تذكر مدى مناسبة ملبسه لهذا المكان...ولكنه مازال يتعلل بأنه عالم لا يهتم بمظهره ويعيش حياة بوهيمية....فما لبث أن قفز في ذهنه تساؤل عن مدى مناسبة مظهره مع مظهر اللايف كوتش...ثم ما لبث أن علت وجهه ابتسامة مريحة من أثر فكرة قفزت لذهنه عن قبضه ثمن الساعة للتدريب للحياة وكيف أن هذه السيدة ستخبر كل قريناتها عنه ...وأنه ستتوالى عليه عروض لكل الأماكن بمصر....هنا وصل للمكان وجلس ينتظر السيدة التى طلبت منه ساعة للتدريب للحياة....

صباح الخير...أؤمر حضرتك "عامل الكافيتيريا"

شكرا...كمان شوية أنا منتظر حد جاي لي..ممكن لما يجي  " زاهر الغريب"

تحت أمرك " عامل الكافيتيريا"

مر الوقت سريعا...ساعة ...ونصف ساعة...أمسك زاهر بالموبايل واتصل على تلك السيدة ..وردت عليه معتذرة ...لظرف مفاجئ حدث لها...ولكنها أكدت أنها ستأتي وأن ينتظرها.

مر على زاهر ساعة أخرى...وأخذ يلاحظ أن عمال الكافيتيريا ينظرون له وتوشك أعينهم تطلب منه ..يجب أن تطلب.....فأشار إلى أحدهم ..فحضر إليه...وطلب منه أن يحضر له زجاجة مياه...فالمياه بالتأكيد هي أرخص ما يمكن أن يشتريه ...حتى إذا لم تجيء تلك السيدة فلن يكون هناك مشكلة كبيرة في الأمر...وبالفعل جاءت زجاجة المياه...والمفاجأة  انها كانت زجاجة مياه فوارة....ظهر القلق والخجل على زاهر...وأدرك العامل أن هذا الرجل في ورطة ...ولكنه لم يدرك كيف يساعده...

مرت ثلاث ساعات ...وزاهر جالس ينتظر أن تتم استشارته في التدريب على الحياة...لدرجة أنه صار يطلب السيدة ولا ترد عليه....أخيرا يأس وبدأ يجهز نفسه لكي ينصرف...فجاءت رنة  هاتفه المحمول كأنها طوق نجاة....نعم...هي السيدة ...

بعتذر جدا يا دكتور " لعوب الحويط"

حضرتك اتأخرتي جدا " زاهر الغريب "

معلش بعتذر....حضرتك فين ولابس إيه ...أنا في الكافتيريا؟ " لعوب الحويط "

لابس بنطلون جينز وتيشرت أسود وقاعد جنب الشباك على يمين الباب وأنت داخلة "زاهر الغريب"

أهلا دكتور...بعتذر للتأخير بس حصل ظرف هحكيلك عليه مع مشكلتي "لعوب الحويط"

ولا يهمك...اتفضلي أنا كلي آذان صاغية "زاهر الغريب "

خلينا نشرب حاجة أولا يا دكتور "لعوب الحويط"

أوكي ...زي ما تحبي...أنا شربت.. حضرتك اطلبي لنفسك "زاهر الغريب"

معقولة....لازم تشاركني "لعوب الحويط"

أشكرك..."زاهر الغريب"

نادت السيدة على العامل...فجاء لها...وسألته عن اسمه... فقال لها " عفيف ذكي"....عفيف...من فضلك هات أغلى مشروبات عندكم "لعوب الحويط"

هنبدأ ؟...اتفضلي...أنا منصت لحضرتك " زاهر الغريب"

اصبر بس شوية دكتور...أشرب قهوتي ونتكلم "لعوب الحويط"

أهي القهوة ..ومشروبك..."لعوب الحويط"

فجأة أمسكت لعوب يد زاهر..

وأخذت تضحك وتظهر أمامه كالهائمة المُحبة....

لم يكد زاهر أن يتكلم أو يسأل..فلقد انطفأ نور عينه اليسري من أثر خبطة شديدة وقعت عليه...

ولم يدري ما حدث...وحين نظر وجد يدا تضربه على عينه الأخرى وهو لم يفيق من ألم الخبطة الأولى...أدرك هنا أنه يُضرب...ولكنه لا يدري بجسده النحيل هذا لماذا يتم ضربه وما الذي فعله ؟!...وهو لا يقوى للدفاع عن نفسه....ولكنه بعد فترة والدم يسيل من عينيه  وهو ملقى على الآرض أسفل الطاولة وجد أن السيدة لم تعد موجودة وأن أمن الكافتيريا يدافع عنه ويمسك بهذا الثور الهائج الذي ضربه...وأخذ عامل الكافتيريا "عفيف ذكي" يهدئه ويمسح الدم عن عينه...ولكنه بالفعل لم يعد يرى بهذه العين ولا يدري ما الذي حدث لها...وما الذي نقله تحت الطاولة ..ولم غادرت تلك السيدة وانصرفت...كل تلك الأسئلة المصحوبة بطعم الدم وتراب الأرض ذكرته بأنه لم يكن يوما سوى دودة من ديدان الكتب ...لم يفكر يوما بأن يقبض في ساعة عمل مبلغ (500) جنيه.....

كان زاهر شبه غائب عن الوعي....وقام الأمن بالاتصال بقسم الشرطة...ففوجئ أمن الكافيتيريا بدخول جنود الشرطة وبدأوا في مهاجمة الأمن الخاص بالكافيتيريا وأخلوا سبيل الرجل الذي ضرب زاهر وضربوا عفيف الذي كان يمسح الدم عن زاهر...

اتضح الآن أمام زاهر أن ضاربه ليس إلا ضابط شرطة وهؤلاء هم جنوده...أخذ الجنود زاهر إلى قسم الشرطة وأكملوا ضربه وهم يجروه ...ذهب زاهر منقادا إلى قسم الشرطة وهو لا يدري أي تهمة تنتظره وما الذي يحدث وما الذي جناه....

في قسم الشرطة...نال زاهر عقابا وتنكيلا.. وما زال لا يدري ما الذي يحدث....حتى تركوه قليلا...وجاء الضابط الذي قام بضربه يسأله في غرفة مغلقة.....

تعرف لعوب منين  يا ابن ال..."سيف السايب"

أنا دكتور نفسي ...وهي طلبتني عشان أعطيها تدريب للحياة وقعدت منتظرها 3 ساعات وأخيرا جت...وفجأة لقيتها ماسكة يدي...معرفش ليه ...وبعدها لقيتك ضربتني ومعرفش ليه "زاهر الغريب"

عاوز تقنعني بالكلام ده يا ابن الكل...."سيف السايب"

أنا دكتور معروف...كنت عاوز أزود دخلي بس...لا عملت شيء ولا آذيت حضرتك في شيء "زاهر الغريب"

طيب ...مش عاوز تتكلم....هخليك تنطق

يا عسكري...خد الواد ده على الحجز..

خليهم يعملوا له حفلة استقبال....بأمر من سيف بيه " سيف السايب"

في الزنزانة...حتى المجرمون  يجتمعون على حب البقاء...لقد تعامل المساجين مع دكتور زاهر بكل ود واحترام ..وأطعموه ومسحوا عنه دمائه ووضعوا على عينيه ماء...وسألوه.. فأخبرهم بما حدث...فهم زعيم الزنزانة...أن تلك المرأة هي زوجة الضابط أو تخصه ....وأنت كنت فقط كبش الفداء ليس أكثر ولا أقل....

طلع الفجر وكل الآلام تجمعت على قلب وعقل الدكتور زاهر...وكان ما يعتصره بشدة ...أنه برغم كل ذكائه.. كان بهذا الضعف ...وأن هذا الضعف غلبه لأنه خضع لاحتياجات الحياة...فالحاجة تغسل الدماغ وتجعل من الشخص أضحوكة وألعوبة في أيدي السفهاء...في خضم ما يموج به عقل الدكتور زاهر من أفكار....سمع باب الزنزانة يفتح...وإذا بأحد الجنود يأخذه للخارج...وذهب به خارج قسم الشرطة وقال له.....ارجع لبيتك...وانسي اللي حصل...ده كلام سيف بيه لك....

وجد الدكتور زاهر نفسه في شارع فارغ مواجه لقسم الشرطة ولكنه فوجئ بشخص يجلس على الرصيف في الضفة الثانية من الشارع...إنه عامل الكافيتيريا " عفيف ذكي"....والذي ما إن رآه حتى جرى إليه ...وربت على كتفه ...وقاله معلش ....متزعلش...المهم أنك خرجت...عاوز تروح فين؟ "عفيف ذكي "

عاوز أرجع عند الكافيتيريا ...عربيتي هناك "زاهر الغريب"

طيب هتركب ورايا على دراجتي...معلش...عارف إنك تعبان ومنهك "عفيف ذكي"

ركب زاهر الدراجة خلف عفيف...وأخذ يكتم عبرات تنزل من عينه...حتى تحولت إلى بكاء ونحيب مرتفع...وعفيف يربت بيده اليسري على رأس الدكتور زاهر...

وصلا بعد ساعة لمكان الكافيتيريا ورأى زاهر سيارته بالكاد....أركب عفيف الدكتور زاهر سيارته...

وقال له..."أنا لن أسألك ماذا حدث؟..أو لماذا حدث لك؟

 ولا أريد منك سوى أن تنتبه لنفسك ولرغباتك ولما تعلق به نفسك...

أعتقد أنك بعد اليوم ستصبح  إنسان إما قرر أن يعيش ...

أو قررأن يكمل حياته  بأن يموت وهو مازال حيا...

أنت من سيختار ويؤهل نفسه للحياة....."عفيف ذكي"

بقلم : د.فؤاد الدواش

أكاديمي مصري – عضو منتدى الفكر العربي

 

 

 






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader