السبت 12 أغسطس 2017 - 11:07 صباحاً

أسماء أبو الغيط تكتب: الظاهر والباطن في علوم "ابن عربي" (محير العقول)

أسماء أبو الغيط

"نحت قلم"

كلما غمس دواته في قنينة حبره أطلت منها أسرار قدسية تتجلي بالوحي والمعرفة، وترتفع الكلمات فوق مخطوطاته العتيقة فتشهد بالوحدانية.
تكشفت بصيرته فتكشف الحجب عن الأبصار المغشية، فإذ بكلماته ظاهرها كفر وضلال وباطنها حق وعرفان وإن علموا بواطنها لسكتوا وكفوا ألسنتهم الحمقاء ولثبتت الحقيقة مثلما تثبت الشمس ضوئها في الكون..!

فعلومه غزيرة كالبحر، كتاباته وفيرة مثل وحي نزل من السماء، فكلما قرأت منه أو عنه رأيته يتربع علي عرشه إماما للأولياء، ويتوهج نور من كلماته...
اشتهر بلقب "الإمام الأكبر"، و"الكبريت الأحمر"، هو الفيلسوف الشاعر وإمام الصوفية الأكبر "محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي"، أحد أشهر أئمة المتصوفة، لقب بسلطان العارفين في أوانه وإلي عصرنا هذا.. تعددت ألقابه بوصف العلماء المعاصرين له: (البحر الزاخر- بحر الحقائق- رئيس المكاشفين....).

ويبقي هو "ابن عربي" بعد ما يزيد على ثمانية قرون يبهر العقول، ويزيل الأصنام عن الأفكار الصماء ليجعلها تفكر وتبحث، فمازالت تؤلف عنه مئات الكتب والروايات والابحاث وتكتب عنه عشرات المقالات حول علمه ونهجه..وآخر كتاب كتب عنه هو: رواية "موت صغير" التي حازت علي جائزة الأدب "بوكر" من نفس عامنا هذا "2017' للروائي السعودي "محمد حسن علوان"، ورغم ذلك مازال الحمقي والجهلاء يتطاولون عليه ويرمونه بالكفر والهرطقة تماما كما كان يحدث في عهده وكأننا لم نتقدم خطوة واحدة بالزمن بل نتقهقر للخلف ويسبقنا الاخرون، ومازلنا نتأسي بفكر الجهلاء منذ زمن ابن عربي بالقرن الثاني عشر المعروفين بالتكفير الي يومنا هذا الي يومنا هذا في القرن الحادي والعشرين.

هؤلاء العابثون الجدد رد "ابن عربي" عليهم منذ قرون ولكن الله ختم علي عقولهم، وأبصارهم، وقلوبهم فلم يقرأوا ولم يدركوا
فعجبا!!
انه رد عليهم منذ قرون وقال محذرهم: "نحن قوم يحرم النظر في كتبنا"، نٌقل عن ابن عربي انه قال: "فمن فسر الفاظه بالطريقة الصحيحة فهم ما يقصد من مؤلفاته فقد حذر من تداول كتبه بين "الجهلاء" ومن سلم بظاهر تلك الالفاظ دون علم بمعانيها في المذهب الصوفي رأي فيها كفراً".

وهذا ما قد لامسته بنفسي، عندما قمت بنشر إحدي مقولاته الشهيرة علي موقع السوشيال ميديا "فيسبوك"، وضعت مقولة لابن عربي ولأنني أفهم ما تحمل في طياتها من مغزي رائع وأعرف انه ينتمي بفكره الي المدرسة الرمزية أردت ان يفهمها غيري كما تعمقت فيها فوجدت أحد الأصدقاء معلقا علي ما نشرته بأن "اتقي الله" ذهلت ودهشت ولكني عرفت انه قرأها ظاهريا تماما كما حذر ابن عربي
والمقولة هي:
"كل تقوي لا تعطيك مخرجا من الشدائد لا يعول عليها"

فهي تعني أن التقوي إن كانت زائفة لا يعول ولا يعتمد عليها و كمن ضاقت به الأرزاق فجلس ليتعبد دون فعل عمل جاد ليخرجه من هذا الضيق او كمن يبني مسجدا وهناك ملايين من الجوعي والمحتاجين. فهل هذا يعد تقوي!!

ما أحزنني حقا اننا ليس فقط لا نقرأ او نفهم ولكن أيضا لم نعد نتثبت قبل أن نحكم وهذا أبعد ما يكون عن الدين الذي دعانا في اكثر من موضع قائلا تعالي:
"تبينوا".. "ان بعض الظن اثم" ..

ويؤسفني حقا أن يكني كل من دعي للدين بالعالم وهؤلاء لم يأتوا بقطرة من بحر علوم محيي الدين ابن عربي أو أقرانه مثل "الحلاج او السهروردي او ابن رشد.....".. فما كانوا مجرد علماء دين او فقه ولكنهم جمعوا وتعمقوا وتناولوا كافة العلوم اللغة والفقه والحديث والادب والفلسفة والشعر والطب و... الخ.
اما علماء وقتنا هذا فماذا يفقهون لنجعل منهم أوصياء علينا وكأنهم وجدوا ليقولوا فنسمع أو ليأمروا فنطيع..!

فكم من هؤلاء المكفرين يعلم من هو ابن عربي او ماذا أتم من علوم وفيم كانت علومه وأفكاره وما هي مؤلفاته!! وهل يعلم أحد ممن يدعون أنفسهم اليوم علماء أن كتابا واحدا له مثل "الفتوحات المكية" الذي كفر وهوجم بسببه يحوي 37 سفر وكل سفر يقارب 560 بابا وكل باب عدة أجزاء وهي تحتوي في مجملها علي أكثر من "أربعة ألاف" صفحة مخلفا من كتاباته حوال 67 مخطوطة.

فكان يخط هذا كله بيده تحت ضوء شمعة خافت ويقوم بنسخه مرة أخري عدة مرات كي ينتشر في بلد اخر فيأخذه غيره من طلابه وينسخه حتي كاد أن يفقد بصره!!

هاهو ابن عربي!
منذ أن أوجده الله علي تلك البسيطة كان أول ما تلي علي مسامعه هو القرآن الكريم بقراءاته السبع وكتاب "الكافي"، منذ نشأ في "مرسية" بالأندلس وتحديدا في القرن الثاني عشر الميلادي في شهر رمضان 558 ھ -1164م، وحين أتم العاشرة من عمره كان قد ملئ قلبه بآيات الله والمعاني والإرشادات النورانية حتي سلمه أبيه الي مجموعة من رجال العلم الذين كانوا يتنقلون بين البلدان والاخري.

روي أنه مرض في شبابه مرضاً شديداً وفي أثناء شدة الحمي رأى في المنام أنه محاط بعدد ضخم من قوى الشر، مسلحين يريدون الفتك به. وبغتة رأى شخصاً جميلاً قوياً مشرق الوجه، هجم على هذه الأرواح الشريرة ففرقها ولم يبق منها أي أثر فسأله محيي الدين ابن عربي: "من أنت ؟" فقال له الرجل: أنا سورة يس". وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالساً إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة "يس". ثم لم يلبث أن شفي من مرضه، وأتته فكرة أنه معد للحياة الروحية!

وما لبث ابن عربي أن أتم العشرين من عمره حتى أعلن أنه جُعِل يسير في الطريق الروحاني، وأنه بدأ يطلع على أسرار الحياة الصوفية، وتكشفت أمامه العديد من الخفايا الكونية، فوهب حياته لسلسلة من البحث المتواصل عما يحقق الكمال لتلك الاستعدادات الفطرية حتي يظفر بأكبر قدر ممكن من تلك الخفايا.
بل حدث معه ما يعد في نظرنا ضربا من الخيال، وأغرب من الأساطير حين كان لا يزال في قرطبة، حيث تكشف له من أقطاب العصور البائدة من حكماء فارس والإغريق كفيثاغورس، وأمبيذوقليس، وأفلاطون فكان هذا سببا وراء شغفه بالاطلاع على جميع الدرجات التنسكية في كل الأديان والمذاهب عن طريق أرواح أشخاصها الحقيقين الذين ظهروا له بهئية مباشرة.

وفي هذا يقول:
"لقد كنتُ قبلَ اليوم أنكِرُ صاحبي/ إذا لم يكنْ ديني إلى دينِه داني/ لقد صار قلبي قابلاً كلّ صورةٍ / فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان/ وبيتٌ لأوثان وكعبةُ طائفٍ/ وألواح توراة ومصحفُ قرآنِ/ أدين بدين الحبِّ أنّى توجّهت/ ركائبه فالحبُّ ديني وإيماني".

كما نسبت اليه "الطريقة الأكبرية الصوفية" حتي يومنا هذا
وروي انه في صغره أرسلت السماء اليه عدة إشارات بل مرشدين حقيقيين.

فأرسل الله له مرشدا سماويا كاشفا أمامه الكثير من الأسرار.
حيث رأى وهو في حالة اليقظة أنه أمام العرش الالهي المحمول على أعمدة من لهب متفجر ورأى طائراً بديع الصفة والشكل يحلق حول العرش ثم دني منه ويتحدث إليه بأن يرتحل إلى مراكش وبأنه سيلتقي هناك رجلا يرحل معه الي مكة وكان هذا الرجل هو:
أبا بكر الحصار وهو من أوائل علماء الحساب والذي شاهد نفس رؤيته وظل ينتظره قرابة الأربعة أعوام!
وقيل أنه نبئ بأربعة أوتاد علي هيئة رفقاء من البشر وقد ظهروا له علي مراحل مختلفة من حياته ليفتحوا أمامه الطريق الي المعرفة، ويعاونوه علي الشدائد والمحن وكان أحدهم أيضا الفيلسوف "شمس الدين التبريزي".

فذهب الي الشرق وفي عام 599هـ زار طائف وفي زيارته الى بيت عبد الله بن العباس ابن عم رسول الله محمد (ص) استخار الله وكتب رسالة حلية الأبدال لصاحبيه أبي محمد عبد الله بن بدر بن عبد الله الحبشي وأبي عبد الله محمد بن خالد الصدفي التلمساني.

ومن ثم صار الإمام الرحالة، فزار معظم بلاد المشرق.
في سنة 1206م رحل الى "القاهرة".
ثم في عام 1207م عاد الي مكة وأقام فيها ثلاثة أعوام ثم عاد إلى "دمشق".
وزار "قونية" بتركيا حيث رحب به أميرها "السلجوقي" باحتفال بهيج.
ثم لم يلبث أن ارتحل الي أرمينيا.
في سنة 1211م ثم الي بغداد والتقى هناك "شهاب الدين عمر السهروردي" الصوفي الشهير.
والتقى به عدد كبير من العلماء والطلاب من جميع أنحاء المعمورة ومن أبرزهم أيضا الشيخ "جلال الدين الرومي"، وكان من معاصريه الذين يجلهم أيضا الطبيب الفيلسوف الفقيه (ابن رشد).

في سنه 1214م زار مكة وكان أول من شوه صورته مجوعة من فقهائها الدساسين، وقد جعلوا يشوهون سمعته في المجالس وبين طلابه وأتذكر هنا أيضا دساسا صغير قد تسلل الي ندوة في معرض الكتاب الأخير وهي تستعرض اخر إصداراتها القيمة ليهاجم احدي الكاتبات الشهيرات لمجرد أنها وضعت اسم ابن عربي في مقدمة كتابها.
فهل تتذكرون! ولكن لا بأس فالكتاب كان يتحدث عن أمثال هذا الدساس المتطرف من اتباع السلف التالف...!

ثم رحل الي حلب وأخيرا استقر في دمشق في الفترة 1223م ـ 1240م.
وفي دمشق دون وكتب مراجعاته ومؤلفاته وكان له مجلس للعلم والتصوف في رحاب مجالس دمشق وبين علماء الفقه والعلم بمدارسها، وكان أميرها أيضا من أحد تلاميذه واستقر في دمشق.
وأخيرا رحل عام 1240م..

رحل وترك حكمة القول:

"الحُكْم نتيجة الحِكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حُكْمَ له، ومن لا معرفة له لا علم له".






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader