الجمعة 19 مايو 2017 - 02:33 مساءً

أسماء أبو الغيط تكتب: كنوز بليغ ورشدى.. "جبابرة الصباح في بلادي" جزء 3

أسماء أبو الغيط

"نحت قلم"

ومن خريف المشاعر الصماء الي ربيع المواقف التي لا تمحي مع الزمن مهما اقبلت عليها رياح الحياة.. هي حكاية اخري تعتصر الحنين والاشجان وهو زهو من ورقات أشجار نمت في ظلال قلوب لا تعرف سوي المحبة فرُدّت الينا ثمارها.

كان "بليغ حمدي".. يذهب الي بيت "رشدي" من آن الي اخر في وقت متأخر من الليل، فيظن صديقه "محمد رشدي" انه ربما اصابه مكروه او حدث امر ما جعله لا يستطيع ان ينتظر حتي الصباح.

فيسائل رشدي صديقه: ما الذي حدث؟
يجيب الصديق "بليغ": لا شئ.. انا فقط افتقدك وجئت لأقبلك واذهب.

وبالفعل كان لا يأخذ سوي دقيقة واحدة ليحتضنه ويقبله ثم يرحل، وكان يكرر هذه الزيارة غير المعتادة من آن لاخر.

مثل هذه الذكريات هي التي حملها رشدي حتي بعد رحيل صديق عمره "بليغ حمدي" من الحياة، وظل يحملها في صدره طوال سنوات عنواناً للمحبة ومعنيً حقيقيًا للوفاء والصداقة المنزوعة من أي "مصالح" فهذه الكلمة كانت لا تعرف الي قلوبهم طريقا، وكانا يستبدلانها بكلمات أكثر جمالا ورقيا مثل (المحبة، الوفاء، الاخلاص، الصداقة ....)، وكلها كلمات أصبحنا نتحسر عليها ونفتقدها في زمن أصبح الجفاء، والمصالح، وحب الذات عنواناً له.

بعدما انصرف العمر ورحل عن عالمنا "بليغ حمدي"، حيث رحل في تاريخ (17-سبتمبر-1993) مسدلا الستار علي سيمفونيات خالدة جمعته مع رشدي والابنودي، يروي الكاتب الصحفي "أيمن الحكيم" نائب رئيس تحرير "مجلة الاذاعة والتليفزيون" في أحد مؤلفاته عن الثالوث العبقري والذي اعتبر "رشدي" هو مؤلف هذا الكتاب لأنه كان يروي أحداثه بنفسه، والذى يحمل عنوان "موال الشجن" فيقول ما بين السطور:
"لقد شاهدت الدموع في عينيه _ رشدي _ مرتين (مرة عندما شعر بالارهاق الشديد ومعاناته من رحلة العلاج التي ارهقته وآلمته نفسيا وجسديا اكثر من ألم المرض نفسه".

والمرة الثانية يرويها ويقول:
"تلقيت مكالمة من "رشدي" فجرا يقول لي: احضر الي منزلي فورا.. اريدك في شيء لا يحتمل التأخير".

وهنا كان المرض قد بدأ صراعه مع "رشدي" فذهب الصديق _ الصحفي _ كما يروي في ذروة الشتاء والامطار تتساقط ككرات الثلج، فيخبره وهو يقاوم الدموع في مآقي عينيه: نريد ان نذهب الي مكتب بليغ فورا والذي كان يستأجره كمقر له في "وسط البلد"، فيتعجب الصديق من طلبه.. ويقول له: لماذا تريد الذهاب الي مكتب بليغ في مثل هذا الجو؟ فيرد رشدي: ليس لدينا وقت وسأخبرك بالطريق.

وإذا به يخبره والغصة في صوته: ان كنوز بليغ (عوده - نوتته الموسيقية - خواطره - اوراقه، وكل ما تركه من كنوز ملقاة علي الرصيف وسط الأمطار)، ويستطرد ان القي بها صاحب العقار لان "بليغ" لم يكن له ورثة، فيذهب ويلملم عوده وأوراقه وتسجيلاته، فينتشل هذا الثراء ويضعه في صناديق ليحفظ بها كنوزه ويحفظ مع صديق عمره عهده به وذكرياته بعد رحيله، وعندما رأي اشياءه الملقاة خارج مكتبه.. هنا لم يستطع أن يخبئ دموعه، فتساقطت مثلما الامطار التي كادت ان تغرق الكثير من الكنوز والابداعات..

وبالفعل كان "رشدي" سببا في حفظ تراث بليغ، فاحتفظ لنفسه بما احتفظ من الصور والذكريات، واعطي بقية الكنز الي (ابن اخيه) بعدما رأي رشدي انه سوف يحسن التصرف، واستطاع ان يحفظه بالفعل، ومنها بعض تسجيلاته التي مازلنا نسمعها ونشاهدها الي يومنا هذا.

لطالما اردنا ان نعرف او نفهم ما سر هذا الابداع؟
وكيف بانت شمس نهارهم في هذا الوقت الباكر فبرزوا جميعا مثل النجوم المتناثرة في السماء لا تستطيع ان تعرف من منهم اكثر لمعانا واشراقا، فبرز اجمل ما لديهم سويا في آن واحد دون ان يتشابه احد منهم في ابداعه؟لربما كمنَ السر في عدم تخليهم عن انسانيتهم، وربما السبب ذاته هو تجردهم عن "انانيتهم"، فعلمونا ان هكذا تسير الحياة فتصبح افضل واجمل واكثر روعة.. وهكذا أوصلنا كنز بليغ الي مالم نستطع ان نملكه اليوم وهذا ما يحاول الاعداء نزعه من أجيالنا الجديدة كي لا نري الضوء ابدا.






مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader