الجمعة 17 مارس 2017 - 11:49 مساءً

بالصور.. ذوو الاحتياجات الخاصة في مصر من عبد الملك بن مروان إلى شريف إسماعيل

- الأرقام والسياسات الرسمية تكذب وتتجمل.. والتجارب الناجحة بعيدة عن التفكير
- تطبيق النموذج الألمانى بوحدة دعم المجتمع بالجامعة الألمانية
 
تقرير: جيهان عبدالرحمن
 
إذا أردت الدخول في متاهة حقيقية حاول أن تعرف كم يبلغ عدد ذوى الاحتياجات الخاصة في مصر، وهل تم تنصيف هذه الأرقام حسب نوع الإعاقة سمعيه بصرية ذهنية حركية...الخ، الواقع يؤكد أن الأرقام  في بلدنا لا تكذب ولكنها قد تتجمل لتوحي أن هناك نظاما دقيقا وعملا، لكن سرعان ما تكتشف أننا غارقون في بحور من العشوائية في أكثر الملفات أهمية وإنسانية وعلى قدر الاهتمام بها تقاس مدى تقدم وحضارة الأمم.
 
رئيس وزراء مصر المهندس شريف إسماعيل لا يعلم كم عدد ذوى الاحتياجات الخاصة في مصر، وآخر تصريح له في هذا الشأن أن عددهم 15 مليونا تقريبا، في حين يؤكد خالد حنفي عضو مجلس النواب ومسئول الإعاقة والتمكين بالمجلس القومي للإعاقة انه لا يوجد في مصر بيان رسمي بأعدادهم لكن التقديرات الحكومية 453 ألف، وهذا في تقرير وإحصاء رسمي ورقم آخر صادر عن التضامن الاجتماعي وهو 750 ألف، في حين ذهبت منظمة الصحة العالمية أن العدد بين 10 إلى 12 مليون.
 
وسواء كان العدد اكبر من 453 ألف أو اقل من 15 مليون رغم الفارق النوعي غير المنطقي الكبير بين الرقمين، فإن عشوائية تقدير الأرقام تعكس أيضا عشوائية التعامل الرسمي مع هذا الملف الإنساني الكبير.
 
ميزانية  الدولة التي تتبع سياسة تقشفية عامه حتما لن تكون عادلة ومنصفه خاصة مع عدم دقة أرقام وبيانات هذا الملف، ومع ذلك هناك انخفاض بالفعل و بنسب كبيرة من عام لأخر في المخصصات المالية لذوى الاحتياجات الخاصة.
 
وتنعكس أيضا في سياسة وزارات الدولة الحائرة بين مفهومي الدمج أو العزل،  وكل وزارة تعمل في جزيرة منعزلة عن الأخرى، التربية والتعليم تتأرجح بين قرارات الدمج المتغيرة من وزير لأخر، التطبيق الشكلي لنسبة ال5% في التوظيف وكم من معارك قضائية وقانونيه يخوضها هؤلاء من اجل تحقيق حلم حياة كريمه، وغالبا ما يتم التنفيذ بلا روح أو قيمة حقيقية لمفهم العمل أو احترام أدامية المعاق واكتشاف قدراته التي غالبا ما تكون خارقه نظرا لحالة التحدي التي تسكن أعماقه، حتى الاستراتيجيات التي تعتمدها الدولة، براقة مفعمة بالبنود والمواد مثل استراتيجية الحماية والتمكين لوزارة التضامن الاجتماعي والتي تهدف إلى إقرار تشريعات، وقواعد بيانات وأهداف عدة تتحقق حتى عام 2019.
 
في الوقت الذي يشهد التاريخ أن أول مؤسسة أقيمت لرعاية ذوى الاحتياجات الخاصة كانت عام 707 ميلادية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، أقامها لرعاية وحماية ذوى الاحتياجات الخاصة وأغناهم عن سؤال الناس وخصص لهم من يقوم على مساعدتهم في تسير شئون حياتهم، ومن قبله كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه خصص لهم من بيت المال، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين.
 
قانون مرتقب
ومع الارتباك الرسمي والأداء غير المؤسسي، إلا فيما ندر، ترك هذا الملف الانسانى البحت لاجتهاد الجمعيات الأهلية والتي تراوحت بين 336 جمعية عام 2001 إلى ضعف هذا العدد حتى 2016.
 
وكلها جمعيات بدأت بتجربة حقيقية لأسرة أهداها الله ملاك يحيا بين جنبات بيتها وكانت قادرة على التفاعل والعطاء وأتخذ من عطية الله بداية لطريق جديد تساعد به الآخرين، من غير القادرين ماديا أو غير مؤهلين علميا فتعثروا في الطريق وتعاملوا مع عطية الله وكأنها بلاء كبير.
 
وبعيدا عن المناقشات والمسار القانوني المعقد، وتوقعات بقرب صدور أول مشروع قانون لذوى الاحتياجات الخاصة بعد مناقشته في الجلسة العامة لمجلس النواب والذي يركز ضمن بنوده على بطاقة ذكية لكل معاق وتخصيص نسبة لا تقل عن 10% للإقامة في المدن الجامعية وتخفيض 50% على تذاكر وسائل المواصفات المكيفة ومساعدات شهرية لغير القادرين على العمل والحق في الجمع بين معاشين وإلزام وزارة الإسكان بتخصيص مساحات ملائمة من أراضى الدولة للجمعيات الأهلية المعنية بذوي الإعاقة.
 
تجارب ناجحة
مشروع القانون المقترح ربما يحقق مكاسب قانونيه أو ماديه وربما يحقق بعض من أمال ذوى الاحتياجات الخاصة، لكن الأمانة تفرض علينا إلقاء الضوء على تجارب ناجحة في الداخل والخارج مرتبطة بمفهوم مختلف يعامل ذوى الاحتياجات الخاصة باعتبارهم أشخاص طبيعيين لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات بما يتناسب مع حالة كل منهم.
 
هناك في مدينة (أولم) جنوب ألمانيا كانت لنا زيارة إلى مؤسسة تاننهوف لتأهيل وتدريب ذوى الاحتياجات الخاصة، والتي حظينا بزيارتها منذ عدة سنوات، بمناسبة توقيع اتفاقية تعاون بينها وبين الجامعة الألمانية بالقاهرة لنقل التجربة إلى مصر من خلال الجامعة التي أنشئت مركز دعم ذوى الاحتياجات الخاصة خصيصا لتنفيذ التجربة الألمانية على ارض مصرية يستفيد منها أبناء مصر.
 
 تجربة حيه مازالت عالقة في الأذهان لمؤسسة عريقة يبلغ عمرها الآن نحو 47 عامًا، مدينة متكاملة بلا أسوار مساكن مجهزة للسكن وملاعب ومطاعم تأهيل جسدي وفني ونفسي عن طريق مدربين متخصصين في كل المجالات و208 ورشة في كل المجالات مرتبطة بخطوط إنتاج ماركات عالميه.
 
المؤسسة تعمل بدعم من الدولة تقدمه وزارة التضامن الاجتماعي هناك حيث يكفل الدستور الالمانى قيمة الدعم الذي يستحقه كل معاق حسب درجة إعاقته، إلى جانب دعم تقدمه الشركات المتعاملة مع مؤسسه تاننهوف بما يوازى 200 يورو عن كل معاق ذهنيا يتم تدريبه داخل المؤسسه، وفى ذلك بديل محترم لفكرة توظيف الـ5% التي يتمسك بها القانون المصري رغم كونها فارغة من المضمون الحقيقي لقيمة العمل التي جبل عليها المواطن الالمانى مهما كانت درجة ثقافته أو إعاقته.
 
هناك يتم التدريب لمدة 37 شهر، العام الأول للتعرف على القدرات والتأهيل النظري لما يمكنه القيام به وفى العام التالي يتم دخول الورش في صناعة الأخشاب والمعادن والمعدات الزراعية والقدرات الابداعيه والفنية وكلها ورش مرتبطة بخطوط إنتاج عالميه، مثل قطع غيار فرامل سيارات عالميه متخصصة في عمل كرافانات السكن الملحقة بالسيارات ويتم إنتاج 7500 قطعة أسبوعيا ونسبة الخطأ صفر في ألمائه، إنتاج حزام الأمان لسيارات مرسيدس ولديهم براءة اختراع واحتكار لإنتاج هذا الجزء في السيارة، ويقومون بإنتاجها منذ ثلاثين عاما، وجميع منتجاتهم تخضع لمعايير الجودة التي تطلبها الصناعة الالمانيه، عمل متواصل غير مرتبط بسن شاهدنا معاقين ذهنيا يعملوا حتى سن السبعين والابتسامة لا تفارق وجوههم.
 
التجربة المصرية
مركز دعم ذوى الاحتياجات الخاصة بالجامعة الالمانيه والذي تأسس عام 2009 باتفاق تعاون مع مؤسسة تاننهوف الالمانيه، ترأسه سامية بديع مؤسس ومدير المركز،  كان يحتفل الأسبوع الماضي بالمعرض السنوي لمنتجات أبناؤه المتدربين من ذوى الاحتياجات الخاصة والذين تم تدريبهم بإشراف ألمانى مصري، بهدف اكتساب قدرات عمليه لمساعدة المعاق على الاندماج في المجتمع وإعادة بناء علاقة وثيقة تمكنه من تكوين فريق عمل مع أقرانه أو بمفرده لتنفيذ مشروعه الصغير بعد انتهاء فترة التدريب التي تبدأ في سن السابعة عشر تقريبا مما يتيح فرص الكسب وحياة كريمه، ومنهم من التحق بالفعل للعمل في وظائف ثابتة بالجامعة الالمانيه مثل كريم المسئول عن وحدة التصوير والطباعة للطلاب ويستخدم أحدث اله كمبيوتر في هذا المجال.
 
أكدت سامية بديع أن المركز يضم نحو مائة شاب من ذوى الإعاقة الذهنية البسيطة والمتوسطة جميعهم لديهم إصرار على التعلم و التدريب والإبداع واستيعاب ما يقدم لهم من خلال البرامج التدريبية التي تمكنهم من الإحساس بقيمة أنفسهم وتنمية قدراتهم وكسر الحواجز النفسية من اجل الاندماج في المجتمع.
 
كثير من رواد معارض المركز لا يعلمون أن المنتجات التي تحظى بإعجابهم وبها لمسات فنيه بديعة ويقبلون على شرائها من صنع ذوى الاحتياجات الخاصة وتم تنفيذها بالكامل داخل الورش المتخصصة التي أقامتها الجامعة خصيصا لتنفيذ برنامج تشغيل الأشخاص ذوى الإعاقة وتغطية متطلبات سوق العمل من خلال عمالة مدربه على أسس علميه انطلاقا من إيمان الجامعة بأن التعليم والتدريب حق لكل فئات المجتمع.
 
جميع المنتجات تتميز بالدقة والإتقان، مشاعر الرضا والحب والاعتزاز بالنفس طاغية على المكان وعلى المنتجات والكلمات البسيطة المنقوشة بفن ورقى على الصواني وأدوات المائدة مثل عبارة احن إلى خبز أمي، أو المشتل الذي أصبح مركز تسوق رائع لشتلات نادرة، يوم رائع مع أشخاص أكثر روعه وجدوا ضالتهم في مشروع يحترم امكاناتهم وقدراتهم الجسدية والنفسية بعيدا عن نسبة ال5% التي مازال القانون يبحثها، يوم خارج الصندوق صحبتنا فيه سامية بديع التي لم تنس توجيه كلمات الشكر والعرفان لمعلمتها الأولى د.ايفيلين مصطفى شاكر رائدة العمل الخيري في الإعاقة الذهنية والتي وضعت قدمها على الطريق الصحيح.
    
 وكما استفادت مصر من التجربة الالمانيه استفادت أيضا مؤسسة تاننهوف بالتجربة المصرية وبدأت الدفع يذوى الاعاقه للعمل خارج حدود ألمؤسسه في وظائف هامه تتعامل مع الجمهور مثل المطارات، صحيح أن القانون المرتقب مازال يسير في طريق تقليدي رتيب وكذلك كل المؤسسات الرسمية إلا إن هناك أماكن مضيئة وتجارب مصريه حقيقية شبت عن الطوق وسبقت بخطوات كل الفكر العقيم.        



ذوى الإحتياجات الخاصة في مصر من عبد الملك بن مروان إلى شريف إسماعيل


مقالات



استطلاع رأي

كيف ترى فرص مصر فى الصعود للمونديال؟

  • جيدة
  • متوسطة
  • ضعيفة
Ajax Loader