الأربعاء 11 يناير 2017 - 10:35 مساءً

العــباءة

أسـماء سـعد الدعـاس

بقلم: أسـماء سـعد الدعـاس ـ الكويت


هي الأدكن بشرة ، والأجعد شعرًا من بين أخواتها البيضاوات ، ذوات الشعر الأشقر المنسدل . ما هي إلا طفرة جينية كشفت لهم عن تاريخ أسود..فلم يجدوا أفضل من تسميتها بـ (حبشة).

يرون أن وجودها لا فائدة منه، سيزيد الحياة صعوبة ، ولن تكون ورقة رابحة في جلب المهر ، فخشونتها وضخامة جسدها ملائمة فقط للأعمال المنزلية كالطبخ والتنظيف.

 كانت حريصة على ارتداء الثوب الأزرق ، لتفسد عين الحاسد التي تخشى أن تنتهك صحتها ... تغطي جسدها بعباءة لا تسقط عنها ، باتت سترا لأسرار وحدتها.

 أصيبت (حبشة) بالسل. علمت أن أيامها لن تمكنها من التمدد كالسابق كل صباح. الغريب أنها ظلت تطحن أنفاسها من أجل الغير ، وجسدها المستور ينحل وأحلامها أيضا . نذرت خشونتها وأنفاسها لخدمة الآخرين ، استعدت لمساعدة إحدى أخواتها في العناية بوليدها.

في الطريق ، وجدت الكلب المسعور (بارود) ، الطلقة الضالة في الخواء ، التقته للمرة الأولى منذ أن جلبه صاحبه (بارون) إلى المنطقة قبل عشر سنوات من أجل أعمال سرية لرجال الشرطة ، لا أحد يعرف ماهي !

أدارت (حبشة) ظهرها بروح  تكاد تنساب من بين قدميها ،  وجسد مسلول يشعر بالاستسلام، أرادت أن ترمي بجسدها في أقرب بيت يحتويها ، فالكلب يصل طوله إلى بطنها ، ولا يروضه شيء سوى (بارون).

لم ترغب أن تكون  نهايتها بين فكيّ هذا (النجس).

سمعت صوت طفل ، لم تصدق حتى التفتت خلفها لتجد طفلا في الثالثة من عمره ، يقف في منتصف المسافة بينها وبين (بارود).

تعرفت على الطفل ، الولد الوحيد لذويه بعد عشر فتيات ... كان ضالا هو الآخر! اتجه الكلب نحو الطفل الذي بدا لقمة سهلة أمامه ، ربما وجد نحول (حبشة) أمرًا لا يستحق العناء . في ساعة النحس تلك لم يكن هناك أحد في الطريق..سوى حبشة ، والطفل ، والكلب في ميدان الموت.

أسرعت (حبشة) نحو الكلب الذي لم يكف عن النباح ، انتزعت عباءتها ، أخذت تلف بها يدها اليمنى وهي تركض نحوه حتى تكورت العباءة في يدها ،  دستها بقوة في فم الكلب لحظة فتحه فكيه ، بينما يدها اليسرى انتشلت الطفل من أمامها ورمته خلفها.

احتضنت (بارود)...بطحته أرضا وأنفاسها متقطعة.. بقيت على تلك الحال دقائق طويلة ، انتبه الناس لصراخ الطفل ، وكتلة زرقاء ممددة على الأرض..كانوا يخشون أن يهجم عليهم الكلب إن قاموا بمساعدتها ..فهم عزل أيضا.

حاول شاب نحيل أن يقحم استعراض رجولته المبكرة وينقذ المرأة ، التي كانت تتصفح الوجوه المحيطة بها . تنظر إلى جسدها..بابتسامة تحتضر مغمضة عينيها من شدة التعب .. أنفاسها كادت تتوقف :

_ ابني .. لا تقترب ، (بارود) أطول منك!! ..أريد..عباءة ..عباءة فقط.

 

نص من المجموعة القصصية "الأرض"

الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2011



 
  






مقالات



استطلاع رأي

هل تتوقع اثرا ايجابيا على الاقتصاد من تعويم الجنيه؟

  • نعم
  • لا
  • لست أدري
Ajax Loader