السبت 07 يناير 2017 - 02:19 مساءً

من أمِن العقاب.. أساء الأدب!

جــلال حـمـام

بقلـم: جــلال حـمـام
 
وجه القاهرة القبيح، يصنعه أهلها.. يشوهونه صباح مساء، وفي علانية، يغفل عنها مسئولو الأحياء، لا يتحركون دفاعاً عن هذا الوجه، إهمالاً أو تواطؤًا، الله أعلم.. لا يقومون بمحاسبة من يتجرأ على تلطيخ جدران مبانيها وأسوار كباريها بإعلاناتهم، رغم وضوح أسمائهم، وبيان عناوينهم، بل وحتى أرقام تليفوناتهم المُتضمنة بهذه الإعلانات.. ولأن السلوك الردئ ينتشر بالعدوى، فإن نفراً يبدأون بصناعة هذا التشويه، يقودون غيرهم إلى تقليدهم، لأن أحداً لم يتحرك بالمواجهة ولا المساءلة، وتطبيق القانون على من يتجرأ على الممتلكات العامة والخاصة، لأن القانون غائب عن التطبيق، والتهاون في إنفاذه يدفع إلى التجرؤ عليه والامتهانة به.. والضحية في النهاية، هو هذا البلد الذي يصبح وجهه، بمرور الأيام، أكثر قبحاً مما كان عليه!
 
كلما سرت في شوارع القاهرة الكبرى، تصدم عينيك إعلانات ورقية، لُصِقت إلى جدران البيوت والمحال، وحتى المساجد والكنائس، وأخرى رُسِمت بألوان البويات، على مساحات كبيرة من مطالع الكباري ومنازلها، تعلن عن شركات وسلع ومراكز للغات وثانية للرياضات، وثالثة عن الدروس الخصوصية، عن قاهر الرياضيات، وأستاذ الفلسفة، وفيلسوف المنطق، وجهبذ اللغة، مدرسون يعلنون عن أماكنهم، في ربوع القاهرة الكبرى، وأخرى عن سماسرة الأراضي والعقارات.. وحتى عربات المترو، لم تسلم من الأذى، بملصقات وكتابات على جدران عرباته، عن وظائف وعقارات وغيرها.. كل ذلك تحت سمع وبصر مسئولي الأحياء، الذين لم يبادروا، مرة، بمحاسبة أي من قام بالتشويه، لإجباره على إصلاح ما أفسده، على نفقته، وفرض غرامية مالية يدفعها، جراء ما أقدم عليه، إذا لم يكن في القانون بنوداً أخرى تردع عن تكرار الأخطاء والتجاوز، وتمنع الآخرين عن التقليد.. وذلك أمر يدفع للريبة ويحرض على السؤال عن هذا الصمت الرهيب وسكوت المحليات وتهاون مسئوليها في مواجهة هذه الظاهرة التي باتت تشوه الوجه الحضاري للبلاد، بل ومعاقبة من قام به، وهي ريبة تدفع للتفكير فيما يمكن أن يكون من إتفاق على هذا الجرم في حق العاصمة الكبرى!
 
وإذا التمسنا العذر للقائمين على مواجهة الدروس الخصوصية ومطاردة أوكارها، في المراكز التي لا تخطئ العين أماكن وجودها، بأنهم غير قادرين على حصرها ومعرفة أوكارها، فإننا لا نستطيع غض الطرف عن هذه الإعلانات التي تنبئ بجلاء عن من يقوم على هذه الدروس الخصوصية، أفراداً وجماعات، في مراكز أو في بيوت خاصة، دون إبلاغ وزارة التربية والتعليم، للقيام بدورها نحو إغلاقها، ومحاسبة من يعمل بها.. فهل يعني ذلك أننا نتحدث عن تهويمات فضفاضة، في مواجهة مافيا الدروس الخصوصية، قولاً لا فعلاً؟.. وهل أمِن كل من يقوم على إعلان من هذا النوع، من سوء العاقبة، لأنه أمِن العقاب، لأن القول الفصل في هذا يؤكد أن "من أمِن العقاب، أساء الأدب"؟، وما يحدث ليس إساءة للأدب، بل جريمة مركبة.. تحدٍ لهيبة الدولة ودورها في مواجهة هذه المافيا، وتشويه للوجه الحضاري للبلد الذي نعيش فيه والاعتداء على الممتلكات، وأيضاً، الجور على حق المواطن، بأذى عينيه بهذا التشويه المُريع، والاعتداء على حقه في العيش في بلد جميل ونظيف، بعيداً عن التشوية والإساءة لجماله التاريخي!
 
المشكلة يا سادة، لم تعد في سن القوانين، فلدينا منها ما يملأ مجلدات، لكن الطامة الكبرى، هي آليات تطبيق هذه القوانين، وفي من ينتصر لهذا التطبيق، وإنزال العقاب على من تجاوز في حق البلد، وأساء الادب.. وتيقى الكارثة، في أن هذا التهاون يُفقد الإنسان إيمانه بجدوى القانون وقوة سطوته لانتظام حركة المجتمع، ويدفع كل من كان ساكناً إلى التحرك في نفس الاتجاه من الخطأ.. ليس في هذا الذي ذكرناه وحسب، بل في كل مناحي الحياة.. وقد أشرت، من قبل، إلى وقائع كثيرة، غاب عنها تطبيق القانون، وساهم تهاون المحليات أو التواطئ معها، في استفحالها وانتشارها، كذلك الذي حدث من السطو على أراضٍ كثيرة في مدينة الجيزة، وإقامة منشآت عليها، تدر على من سرقها أموالاً طائلة، والمحافظة ومحلياتها غائبة عن ممارسة دورها في الضبط والمعاقبة، رغم كثرة ما أشرنا إليه، حتى أننا فقدنا الإيمان في أن هناك من يقرأ، وأصابنا الإحباط، لغياب من يحاسب.. فهل تستمر المأساة دون مواجهة؟!
 
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.
 
[email protected]





مقالات



استطلاع رأي

هل تتوقع اثرا ايجابيا على الاقتصاد من تعويم الجنيه؟

  • نعم
  • لا
  • لست أدري
Ajax Loader